Al Ahed News

عام 2015: نجم روسيا يلمع

بانوراما 2015

صوفيا ـ جورج حداد


تمحور النزاع العالمي الراهن بين الكتلة الغربية وروسيا، في العام 2015، في جزء أساسي منه، حول النزاع بين الدولتين الشقيقتين (تاريخيا): روسيا وأوكرانيا. فروسيا تمسكت بحزم بخطها الشرقي القديم والراسخ، المعادي للغرب الاستعماري، في حين ان أوكرانيا (او ما تبقى منها) نقلت البندقية من كتف الى كتف، وانتقلت نهائيا الى المعسكر المعادي.

فقد كانت عصابة بوروشينكو ـ ياتسينيوك ـ ياروش وحلفاؤها تأمل في ان تضطلع بدور شبيه بدور "الاتاتوركية" في تركيا في القرن الماضي،  ولكن روسيا قبضت على الجمر وصمدت، حيث جاء العرض العسكري المميز الذي أقيم في الساحة الحمراء في موسكو في 9 أيار الماضي كرسالة للعالم بأن الروس مستعدون من جديد ان ينتصروا على أي جهة تفكر في الاعتداء عليهم.

وقد شكلت نهاية شهر أيلول محطة مفصلية بالنسبة للروس، وذلك بعد قرارهم مساندة السوريين في حربهم ضد المنظمات الإرهابية، حيث أدى التدخل العسكري الجوي الروسي إلى المزيد من الانتصارات الميدانية للجيش السوري وحلفائه، وأكبر دليل على نجاح الخطوة الروسية هو اسقاط طائرتها المدنية فوق سيناء في 31 تشرين الأول من قبل التكفيريين.

وعلى المنوال ذاته، حاول الاتراك النيل من عزيمة الروس والانتقام منهم، فعمدوا في 31 تشرين الأول إلى اسقاط القاذفة الروسية "سو ـ 24" فوق الأراضي السورية وقتل طيارها، الا أن ذلك لم يؤثر على القيصر بل دفعه لاتخاذ إجراءات اقتصادية شديدة ضد أنقرة كما انه ضاعف حضور قواته العسكرية في سوريا.  وأتى الحديث الشهير للرئيس الروسي فلادمير بوتين بوصف الحادثة بالـ "الطعنة في الظهر".

وبالعودة إلى ما كنا قد أشرنا اليه في السابق، قامت اوكرانيا - من اجل لفت نظر الرأي العام الدولي- بفرض حصار غذائي وطاقوي على شبه جزيرة القرم. أولا قطعت مياه نهر الدنيبر عن القرم، ثم أوقفت المواصلات بواسطة الباصات والقطارات. وفي 22 تشرين الثاني تم تدمير أربعة أبراج في شبكة نقل الطاقة الكهربائية في منطقة خيرسون، الامر الذي نتج عنه الإيقاف التام لتزويد القرم بالكهرباء. ولاحقا فرضت مقاطعة تامة بالمواد الغذائية من اوكرانيا الى القرم.

الا انه على الرغم من العقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا، فهي قد بدأت في بناء "منشآت القرن":
 أ ـ المركز الفضائي المسمى "الشرق" ويقع في الشرق الأقصى الروسي.
ب ـ الجسر العملاق فوق مضيق كيرتش، الذي سيربط جنوبي روسيا بشبه جزيرة القرم.
ج ـ سلسلة ملاعب كرة القدم لمباريات بطولة العالم التي ستستضيفها روسيا سنة 2018.

المفاعيل العكسية للعقوبات على روسيا

هذا وبعد الانقلاب الذي نفذته المخابرات الغربية بالتعاون مع القوى الفاشستية في أوكرانيا في 21 شباط 2014، احتدم الاختلاف بشدة بين موقف كل من روسيا والكتلة الغربية من الازمة الأوكرانية، ولكن روسيا لم تنجر الى اتخاذ مواقف انفعالية من العقوبات الاقتصادية الغربية، بل عمدت الى اجراء تحول جذري في سياستها الاقتصادية الخارجية، ويتلخص هذا التحول في: الغاء إعطاء الأولوية في العلاقات الاقتصادية الخارجية للكتلة الغربية (اميركا والاتحاد الأوروبي)، وتحويل الأولوية في العلاقات الاقتصادية الخارجية الى الشرق خصوصا وبلدان العالم عموما. وتعمل الدولة الروسية بموجب خطة استراتيجية بعيدة المدى هدفها الأساسي: تقليص رقعة التعامل بالدولار جغرافيا وكميا، تمهيدا لالغاء استعماله كعملة دولية، وارجاعه الى حجمه كعملة وطنية أميركية.

بوتين

ولهذه الغاية قامت روسيا في 2015 بإجراءات ومبادرات كثيرة داخلية وخارجية أهمها تعزيز التعاون الروسي ـ الصيني وترسيخ العلاقات مع ايران وانشاء بنك البريكس، كما حلت روسيا مشكلة سكان شرقي أوكرانيا التي ما زالت مستمرة وارسلت قوافل المساعدات الإنسانية لهؤلاء لمنع وقوع كارثة إنسانية. وقد حاولت سلطات كييف الاستيلاء على القوافل بحجة انها هي السلطة الشرعية وهي التي ستوزع المساعدات ولكن الهيئات الروسية المعنية رفضت تسليم القوافل الا لاصحابها.

الدونباس يستقل تماما

ولكن وبالرغم من كل هذه المأساة، وبعد إعادة القرم الى روسيا، فإن منطقة الدونباس استطاعت أيضا، وبمساعدة روسيا، تحقيق استقلاليتها التامة عن كييف، سياسيا وعسكريا واقتصاديا وماليا واداريا، ولم تعد ترسل قطعة فحم حجري واحدة الى كييف، ونظمت صناديقها المالية والاجتماعية، واعادت تشغيل المناجم والمعامل والمصانع باشراف السلطة الاستقلالية الجديدة، وشكلت جيشها الخاص المسلح بالأسلحة القديمة للجيش الاوكراني السابق وبالاسلحة والاليات والمدفعية والدبابات الروسية الجديدة، وبدأت "قوات الدفاع الذاتي الشعبي" تدافع عن مناطقها بحزم.

ونشأ خط جبهة قتال على طول الحدود بين شرقي أوكرانيا والمناطق التي تسيطر عليها السلطة الانقلابية والفاشست في كييف. وفيما كانت المنطقة الشرقية تعيد تنظيم دورة الحياة فيها، بالتعاون الوثيق مع روسيا، فإن المنطقة "الغربية" كانت ترتمي عند اقدام الناتو والاتحاد الأوروبي، فقط من اجل الحصول على المال، مقابل تسابق أحزاب غرب أوكرانيا على عرض الانضمام الى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وتحويل أوكرانيا الى قاعدة عسكرية متقدمة، وقاعدة تجسس، وقاعدة تهريب مخدرات وتخريب اقتصادي ضد روسيا.

الكتلة الغربية تخشى الغضب الروسي

ولكن الملفت للنظر ان حلف الناتو ذاته والاتحاد الأوروبي لم يعودا متحمسين لادخال اوكرانيا (او ما تبقى منها) في عضويتهما، أولا، لعدم إغضاب روسيا، وثانيا، لأن أوكرانيا فقدت أهميتها السابقة بوصفها اكبر دولة في أوروبا الشرقية بعد روسيا، وتحول احتمال تمركز قوات الناتو فيها من نقطة قوة الى نقطة ضعف، لان أي قوة عسكرية للناتو وغير الناتو تتواجد على شواطئ البحر الأسود او في أوكرانيا او تركيا او بولونيا او جورجيا او مولدوفا ورومانيا وبلغاريا (أي المناطق القريبة من روسيا) لم تعد تمثل أي خطر عسكري على روسيا، بل أصبحت بمثابة "رهائن" في قبضة روسيا القادرة على سحقها بلحظات ولا توجد قوة في العالم يمكن ان تدافع عنها.

الانقلاب الاوكراني لم يحقق المطلوب منه

انفقت الولايات المتحدة الأميركية اكثر من 5 مليارات دولار من اجل إنجاح الانقلاب في أوكرانيا في شباط 2014. وذلك باعتراف فكتوريا نولاند، المختصة بالملف الاوكراني في وزارة الخارجية الأميركية. ولكن الأمور انعكست تماما وانشق الجيش الاوكراني، ورفضت البحرية الأوكرانية الوقوف ضد الاسطول الروسي في سيباستوبول، بل على العكس انضمت غالبية السفن الأوكرانية ببحارتها بما في ذلك قائد البحرية الأوكرانية انضموا الى الاسطول الروسي، وانضمت القرم الى روسيا، وانفصل الدونباس عن أوكرانيا.


سنة السرقات والتهريب

بعد انفصال القرم والدونباس وقطع العلاقات الإدارية والمالية والاقتصادية تماما مع كييف، لجأت الأحزاب الفاشية والانقلابية الى مصدرين ماليين مهمين: الأول يتضمن الصناديق المالية الخاصة بالشرق، بما فيها جميع الودائع البنكية ذاتها، حيث تم نهبها بدون أي وازع قانوني او وطني او أخلاقي. أما الثاني فكان التهريب باتجاه الغرب ما أدى الى الإفلاس التام للدولة.

وفي زحمة هذه الوقائع، وامام فشل سلطة كييف وفاشييها في استعادة القرم والدونباس، ولتغطي الانغماس في الفساد والسرقة والتهريب والخيانة الوطنية لم يبق امام الأحزاب والاعلام الموالي لاميركا في أوكرانيا سوى التحريض ضد الكنائس الروسية في المقلب الآخر، وبالفعل اخذ أنصار هؤلاء بالهجوم على الكنائس الروسية وتحطيم الأبواب والجدران والمقاعد والاعتداء على المصلين ورجال الدين المسنين ليجبروهم على التخلي عن الصلاة باللغة الروسية لانه على ما يبدو  حتى هذه الصلاة ترعب قيادة الناتو والبيت الابيض وأعوانهم.

روسياسوريا
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
رمز التأكيد
تعليقات القراء
[1] سيمون:
01-01-2016 12:00
القيصر ثم القيصر ثم القيصر