Al Ahed News

’ العهد’ في زَبُّود، الخرايب، حلبَتا، وادي فعرا(2)..كنوز مدفونة و’الخير لقدام’

خاص العهد

أم البنين مصطفى


مخلفات وبصمات تاريخية
الخط الزمني الذي مرّ  فيه لبنان لا محال مرت هذه المنطقة فيه أيضاً، وخلف من سكنوا هنا آثار لهم، إلا أن الدولة التي تتغنى دائماً بعمق تاريخها وعراقته يبدو أنها لم تتكبد بعد عناء الوصول إلى هذه المنطقة -بسبب بعدها ووعورتها- للتثبت من هذه المخلفات التاريخية ومعرفة العهد الذي تعود إليه.
بصمات التاريخ واضحة في زَبُّود كما في الخرايب وحلبَتا حتى وادي فعرا ، من قصور وقبور ومساكن ومطاحن ومغاور وآبار لجمع المياه، قد تكون يوماً معلماً سياحياً إذا نالت من الاهتمام ما تستحقه.


موقد في منزل تراثي في بلدة حلبتا


على كتف بلدة حَلبَتا، ما تزال آثار "ما يسمى "بئر الحمام" أو "الخان"، الذي كان محطة استراحة القوافل التجارية والمسافرين"، يقول الحاج نديم مصطفى، إن "الطريق التجاري من جبل لبنان باتجاه شمال سوريا وصولاً إلى تركيا يمر  ببلدتَي حَلبَتا وزبُّود".
وفي حلبتا أيضاً يخبرنا المختار علي سيف الدين عن "قصر الست"، وجل المعروف أن "صليباً من ذهب وجد منذ سنوات في حفرة في القصر قد ينبئ بأن المكان يعود للعهد الروماني". كما عُثر بحسب الأستاذ عباس سيف الدين منذ سنوات خمسين على كنيسة قديمة وعثر في داخلها على جرس الكنيسة، مضيفاً أن "البحث الجدي مجدداً قد يفضي إلى وجود أشياء أخرى يمكن التحقق من خلالها من تاريخ المنطقة ككل".


مغارة في بلدة وادي فعرا


على مقربة من بلدة زبود توجد معاصر زيتون عدة -يُعمل على اعتبارها نقطة أثرية- وقد سمي المكان بـ "معاصر الزيتون" نسبة لآثار المعاصر الموجودة فيه.
وتحتض بلدة وادي فعرا، فيما تحتضنه من آثار مهمة، في منطقة يطلق عليها "مُغر الشّاش" تحتضن ما يسمى "مقابر اليهود" وهي مجموعة كبيرة من الحفر الصخرية - عبث بها الزمان-  يقال إنها كانت ليهود سكنوا المنطقة في غابر الزمن. وكان عثر فيها على مئات القطع النقدية التي باعها من وجدها منذ أكثر من ستين سنة، بحسب معلومات الحاج سليمان.
أما عن الإطار الديني، فيُعرف مقام موجود في خراج بلدة الخرايب بمقام النبي موسى، وكل ما هو معروف عنه هو من الذاكرة الشعبية فقط. وتقول الروايات الشعبية إنه يعود لنبي اسمه موسى (لكنه ليس موسى بن عمران المذكور في القرآن الكريم).

 


تعبر المنطقة عن حضورها على الساحة الوطنية من خلال انخراطها بمشروع المقاومة

الوفاء للمقاومة
بالانتقال من التاريخ الى الحاضر الذي تعيشه المنطقة.. فانك عندما تجول في أنحاء هذه القرى ستدرك هويتها حتماً، أول ما يطالعك هو أعلام المقاومة المرفرفة في كل مكان. النهج والمسيرة محفوظان هنا، الموقف دعم المقاومة في السراء والضراء، فلا تكاد تخلو جبانة من ضريح شهيد، ولا تخلو قرية من جريح لسان حاله "فاز  من لم يعد".
موقف لم يتغير رغم ما نالها من همجية العدوان الإسرائيلي لا سيما في حرب تموز 2006 ومؤخراً قصف المجموعات الإرهابية الذي طال أراضيها.
ميدون، القصير، حلب وميادين أخرى اختارت من هذه القرى من خيرة شبابها شهداء: حسان مهدي علاء الدين، محمد حسن علاء الدين، زين العابدين مصطفى مصطفى، علي حسن علاء الدين، علي رفعت علاء الدين، حسين حسن بلوط، علي عباس ياسين، علي حسن سيف الدين، زينوا أسماء هذه القرى ووضعوها على لائحة الشرف والتضحية في سبيل الوطن وكرامته. وهي تبقى عند كل استحقاق وفية للمقاومة ولدماء الشهداء.


وادي فعرا.. ملامح الحرمان والاصالة في بيوتها القديمة

 


صور تعبر عن ملامح الحياة في هذه القرى

 

ملامح الواقع حاضراً
المدخل إلى قرى سفح الجبل الغربي في البقاع الشمالي، هو بلدة زبود، ومنها تتجه غربا إلى حلبتا وشمالاً إلى وادي فعرا وجنوباً إلى الخرايب. ذلك ما يجعل من زَبُّود محور هذه البلدات كما يجعلها حيوية أكثر إذ تنشط فيها الحركة الإقتصادية (بالنسبة للخرايب وحَلبَتا ووادي فعرا). ويُعززُ لزبود أن تكون المحور أيضاً، بُعد هذه القرى عن الطريق العام الذي يربط بعلبك بالحدود السورية أو الهرمل، حيث المكان مفعم بالنشاط البشري والحركة الإقتصادية المستمرة.  وتأتي حلبَتا في الدرجة الثانية بعد زَبُّود من الناحية الإقتصادية.
المشاريع الفردية تشق بهذه الأرياف أول طريقها نحو الأعمال التجارية والصناعية، كمزرعتي دجاج تقومان على اطراف البلدة تنتجان البيض لتوزيعه في المنطقة، كما يوجد في البلدة معمل لحجر الإسمنت، وملعب كرة قدم وهذا الملعب يفتح أبوابه شتاءً وصيفاً، وهو من شأنه تطوير طاقات الشباب وشغلهم بما هو مفيد أقله على الصعيد الشخصي.
فيما لا تزال وادي فعرا قرية على الطراز القديم، قرية بكل تفاصيلها، إذ لا تزال أغلب بيوتها قديمة والعمل الأساسي فيها هو رعي المواشي وتربية النحل لإنتاج العسل والزراعة، ولا تزال ثمار وادي فعرا على طعمها الذي يحفز ذاكرتك إلى الزمن الجميل ويشعل في قلبك الحنين إلى الأيام الخوالي. والسبب في بقاء وادي فعرا بعيدة عن عبث "الحداثة" هو أن غالبية أبنائها، نظراً لغياب مقومات العيش، آثروا السكن خارجها منتشرين كلٌّ قرب عمله، من دون أن يتخلوا عنها، فهم أنفسهم يعودون بين الحين والآخر للعمل في بساتينهم، وبالتالي تخلو البلدة من مدرسة أو مرافق أخرى.


مبنى بلدية وادي فعرا


الخرايب الوحيدة بين هذه القرى التي لم ينشأ فيها مجلس بلدي إلى الآن، إلّا أن فيها مدرسة وحسينية ومسجداً، وينشط فيها المختار محاولاً التعويض في تأمين الخدمات للبلدة.
لائحة مطالب هذه البلدات اليوم هي نسخة مطابقة لِلائحة مطالب منطقة البقاع كلها، من فرص العمل، وتأمين مراكز  طبية واستشفائية وجامعات أقرب، إلى المشاريع التي من شأنها العناية بشغل طاقات الشباب وتطويرها.


ملعب النور في زبود


 
عسى يكونُ "الخير لقدام"...
مقارنة هذا التكتل القروي الآن مع ما كان عليه قبل سنوات خلت، مقارنة مرضية.
يقول الحاج نديم مصطفى إن هذه البلدات "حققت قفزة نوعية في التوجه نحو التحصيل العلمي والأكاديمي وصارت تتردد في المنطقة بشكل أكبر أسماء أساتذة ومتخرجين وأطباء".
 ويضيف إلى ذلك الأستاذ عباس سيف الدين أن مدرستي زبود وحلبتا "أصبحتا تعتمدان بشكل أكبر على أساتذة من البلدتين". كما أن "نسبة الأميين في بلدة حلبتا كانت 27% من سكانها، لكن بجهد فعاليات البلدة في إقامة دورات محو أمية متلاحقة للنساء والرجال تدنت هذه النسبة وأصبحت لا تتعدى 6%. وبات ثلاثة وعشرون شخصاً ممن كانوا أميين بالكامل، يقرأون القرآن بشكل صحيح".
و على الرغم من أن البلديات هنا هي بلديات مستحدثة، أقدمها بلدية حَلبَتا التي كان أول مجلس بلدي فيها عام 2004، إلا أنها استطاعت التطوير والتقدم على المستوى الخدماتي، من إنشاء مشاريع مياه الشفة وأقنية مياه ومعالجة النفايات وتعبيد طرقات وتوسيعها، وشق طرقات زراعية، وبناء جدران دعم وجدران تجميلية وحدائق صغيرة.
وبحسب الرئيس السابق لبلدية زبود الحاج نديم مصطفى، فإن كل بلدية في المنطقة وضعت دراسات لمشاريع إنمائية ومراكز رياضية وحدائق عامة كبيرة.
وهذا العمل مسجل لهذه البلديات نتيجة ضعف ميزانياتها.
نحو مستقبل أفضل، على ما يبدو، تخطو قرى سفح الجبل الغربي البقاعية. مستقبل -إن استمر الجهد المبذول على ما هو عليه- يشي بحياة أفضل وأقرب إلى ما يحاكي المدينة، مستقبل قد يعيد إلى المواطنين هنا شعور الرضا الذي بان في أحاديثهم عن الماضي الجميل متمنين أن يكون "الخير لقدام".

 

بعلبك الهرمل
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء