Al Ahed News

المواجهة الشاملة بين روسيا والغرب بعين منظـِّـر استراتيجي اميركي (2/3)

ترجمات ودراسات

صوفيا ـ جورج حداد


 

دول الناتو بمجموعها تخشى روسيا

يتجاهل البروفسور لوكاس كوليزا تماما كل هذه الوقائع والحقائق، ويريد من القارئ بجرة قلم فقط ان يصدق "الكذبة الصغيرة" أن روسيا قامت باحتلال القرم وشرق اوكرانيا بواسطة قواتها الخاصة التي لا تحمل شارات عسكرية مميزة. وان هذا هو السبب الأساس في المواجهة الحالية بين الغرب وروسيا.     
ويقول لوكاس كوليزا في تحليله الطويل ان هناك اختلافا اساسيا في نظرة البلدان الغربية، ونظرة روسيا، الى نظام الامن الاوروبي. وان روسيا تتجه الى استخدام القوة والعسكرة، وتخالف اتفاقية هلسنكي لعام 1975، ومبادئ ميثاق باريس لعام 1990 حول اوروبا الجديدة، ورؤية "اوروبا متكاملة وحرة ومسالمة".


وهو يتابع القول: "ومن وجهة النظر الروسية، فإن توسيع الناتو والاتحاد الاوروبي، وتوسيع التعاون بين البلدان الغربية والاجزاء السابقة من الاتحاد السوفياتي المجاورة لروسيا، تعتبر تعديا على المصالح المشروعة للامن القومي لروسيا. وتعتبر موسكو ان الخطاب الغربي حول المبادئ والقيم التي يقوم عليها نظام الامن الاوروبي ليس اكثر من غطاء هزلي لمتابعة مصالح الغرب، الى جانب التدخل في كوسوفو وليبيا، إضافة إلى دعم "ثورة الميدان" في اوكرانيا، وهو ما يبدو كأمثلة على ازدواجية المعايير الغربية".  
     "وبالنتيجة فإن الاشكال القائمة للتفاعل بين الاتحاد الاوروبي وروسيا، وبين الناتو وروسيا، بدأت بالانهيار".  
"وبالتالي، فقد اشتد تضايق النظام (الروسي) من الانتقادات الموجهة اليه، ما دفع روسيا الى تبني النزعة القومية واعطت نفسها صفة حامية ما يسمى "العالم الروسي" ما وراء الحدود (بما في ذلك ذوي الاصول الاتنية الروسية والناطقين باللغة الروسية في الاتحاد السوفياتي السابق) وحامية للعقيدة الارثوذوكسية".
"وفي نطاق العلاقات الدولية، تبنت القيادة الروسية وجهة نظر هوبز (فيلسوف بريطاني شهير في القرن السابع عشر) التي ترى ان القدرة العسكرية تضمن خلاص الدول، وانه يمكن استخدام القوة ـ كأي اداة اخرى في يد الدولة ـ لاجل تحقيق الاهداف السياسية".
"وبالنتيجة، ففي السنوات الاخيرة فإن القيادة الروسية ازدادت ثقتها بقدرة جيشها على ان يتحمل بعض المخاطر باستخدام القوات المسلحة، بدءا من استخدام "الرجال الخضر الصغار" في شبه جزيرة القرم، مرورا بالتدخل المموه في شرق اوكرانيا، وصولا الى الحملة الجوية المكشوفة جدا في سوريا. كما كشفت روسيا استعدادها للمغامرة بنشاطات "سياسة حافة الحرب"، بما في ذلك خطر وقوع اصطدامات عسكرية والاقتراب الخطر من السفن الحربية والطائرات الغربية، مما يهدف بشكل واضح الى اختبار قدرات الطرف الاخر".
وفي وقت يجري فيه احراق بيوت الروس ومطاردتهم وقتلهم بالهراوات في الشوارع في كييف والمدن الاخرى في غرب اوكرانيا، وفي وقت يجري فيه تدمير الكنائس والاديرة واسر واغتصاب النساء المسيحيات واسترقاقهن وذبح وقتل وخطف رجال الدين والراهبات والبنات المسيحيات في العراق وسوريا ومصر واسلمة بعضهن بالقوة بعد اغتصابهن، وفصل المسيحيين في السودان وابادة الملايين منهم وعزلهم  ومحاصرتهم وتحويل حياتهم الى جحيم، فإن البروفسور الاميركي لوكاس كوليزا ـ وفي قالب "اكاديمي" "رفيع" او مترفع ـ يعيب على روسيا كل استراتيجيتها الداخلية والخارجية، ويعيب عليها دفاعها عن الحقوق القومية لروسيا وللروس، ويعيب عليها مشاركتها الحاسمة في الحرب على الارهاب في سوريا وغيرها، بل ويعيب عليها بالاخص دفاعها عن الارثوذوكسية (المسيحية الشرقية)، التي اعطت العالم السيد المسيح وبواكير الحضارة المسيحية، التي لم يكن من وجود للحضارة العالمية بدونها، والتي اصبحت اليوم، بفضل "ثقافة" امثال البروفسور لوكاس كوليزا ودواعشه اشبه بالايتام على مأدبة اللئام.
ولكن البروفسور لوكاس يرى ان الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة لم تسكت على التعديات الروسية. وتحت عنوان (الرد العسكري الغربي) يقول "منذ بداية ازمة القرم، كان من الواضح ان الولايات المتحدة الاميركية والبلدان الاخرى الاعضاء في الناتو والاتحاد الاوروبي، كانت تسعى لتجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا. وفي الوقت ذاته، كانت الدول الغربية تعتبر ان التدهور المفاجئ للوضع في الشرق سوف يكون له تأثير سلبي على امنها الخاص. وبعد القرم، جميع الخيارات وضعت على الطاولة. وحتى السيناريوهات التي كانت قبلا بعيدة عن التصور، مثل الهجوم الروسي المباشر او "المهجن" ضد بلدان الناتو او الاتحاد الاوروبي، او حتى الصدام النووي، فجأة صارت قابلة للنظر.


"ان صلافة اعمال روسيا في اوكرانيا ومواصلة الاصرار على مواقفها لفترة طويلة، جعل من السهل نسبيا التوصل الى تفاهم في الناتو حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها حيال روسيا. وبالرغم من وجود اختلافات في الآراء حول التفاصيل التكتيكية، فإن المبادئ الرئيسية ظلت ثابتة الى حد كبير.
"اولا، قررت بلدان الناتو ان اعمال روسيا انهت بشكل فعال المرحلة التي كان الحلف يعامل فيها موسكو بوصفها شريك (محتمل) يرغب في القيام بعدد من مبادرات المشاريع التعاونية. وبموجب ذلك علق العمل التعاوني من خلال "مجلس الناتو ـ روسيا" (NRC) وجرى الحد تماما من الفعاليات السياسية من خلال (NRC)، دون العودة الى "التجارة كالعادة" حسب العبارة المأثورة.
"ثانيا، عادت روسيا للظهور كموضوع لمهمة الردع والدفاع الخاصة بالناتو. وقد موضعت روسيا نفسها كخصم استراتيجي للناتو. كما أن قدراتها العسكرية المتنامية أصبح من الممكن ان تتحول الى تحد كبير للحلف في اي نزاع او مواجهة، مهما كان ذلك قليل الاحتمال. وبالنتيجة، فإن التخطيط الدفاعي للناتو، والتدريبات، ونشر القوات، وبرامج التطوير المستقبلي للقدرات العسكرية، ينبغي تعديلها كي تأخذ في الحسبان العامل الروسي.
"ثالثا، أوضح الناتو انه يريد تجنب اي تصعيد عسكري مع روسيا في حال وقوع اي حادث او اصطدام. وغالبا ما عبر الحلف عن استعداده لمناقشة بناء الثقة ومعايير الشفافية مع روسيا، وكذلك رفع مستوى القنوات العسكرية القائمة للتواصل.
"ومن ناحية التدابير العملية، اقتصر الناتو على اتخاذ ما يعبر عما وصفه به امينه العام بأنه "اكبر تعزيز للامن الجماعي منذ نهاية الحرب الباردة". وانطلق بسلسلة من نشر قوات الطوارئ للرد السريع، من طائرات، وسفن حربية، وقوات برية، على امتداد الحدود الشرقية للحلف، وخاصة في البلطيق ومنطقة البحر الاسود. ولاحقا في سنة 2014، تمت صياغة هذه الاجراءات الطارئة في برنامج جاهزية للعمل بحيث يتم التركيز على تحويل هذه النويات الى "حضور ونشاط عسكري متواصل" في الشرق والتكيف المتزايد لقيادة الناتو وبناه العسكرية. ان حجم قوة التدخل السريع للناتو المسماة (NRF) قد ضوعف اكثر من مرتين كي يبلغ 40.000 جندي، بالاضافة الى "قوة رأس حربة" مؤلفة من 4 ـ 5 جندي، بمعزل عن (NRF) وهي تتضمن بعض العناصر التي يمكنها  التدخل في غضون بضع ساعات. وقد أنشئت هيئات اركان مصغرة في جميع البلدان الواقعة في جناح الناتو في اوروبا الشرقية.
"واخيرا فإن قمة الحلف التي انعقدت في فرصوفيا في تموز 2016 اتخذت قرارا بإنشاء كتائب متعددة الجنسيات للناتو لنشرها في استونيا، لاتفيا، ليتوانيا وبولونيا. وفيما بين سنتي 2014 و2016 كان الحلف قد زاد اكثر من ضعفين عدد المناورات التدريبية التي قام بها على امتداد جناحه الشرقي".  


ولا ندري اذا كان هذا البروفسور يستحي مما كتبه. ولكننا متأكدون انه يعلم تماما ان المواجهة الشاملة ليست لعبة مشهدية او مسرحية، ويعلم علم اليقين ان العقيدة العسكرية الجديدة لروسيا تقول: ـ1ـ اننا (اي روسيا) لن نكون معتدين، ـ2ـ ولكن في حال المواجهة الشاملة فإن الضربة الاولى ستكون لنا، ـ3ــ والضربة الروسية الاولى ستكون الضربة الاخيرة لانها ستكون حتما ضربة نووية، ـ4ـ ان روسيا لن تكون بحاجة لان تحتفظ بأية طائرة او غواصة او صاروخ او رأس نووي لما "بعد الحرب"، بل ان جميع قدراتها النووية موجهة منذ الان، وفي كل لحظة، ضد جميع المدن الكبرى والاهداف العسكرية في البر والبحر والجو والفضاء الكوني لجميع دول الناتو وحلفائها في العالم اجمع، وكل هدف معين يوجد "قاتل" او اكثر مخصص له ولا يحتاج الا الى كبسة زر. واميركا بالذات مخصص لها مئات القلاع الطائرة النووية والصواريخ عابرة القارات النووية، والغواصات النووية التي تطوقها من ثلاثة محيطات (الاطلسي والهادي والمتجمد الشمالي) و"حمولة" كل غواصة كافية للقضاء على اميركا كلها، وحتى لو لم يعد من وجود لموسكو او روسيا فإن كل غواصة هي "مستقلة ذاتيا" ولاميرالها الحق المطلق بأن يقصف اميركا منذ الان بدون اوامر من موسكو، واميركا الشمالية (بما فيها هارفرد والبروفسور لوكاس كوليزا) هي مرشحة لان تتلاطم فوقها امواج المحيطات الثلاثة منذ الساعات الاولى للحرب.
(يتبع)

 

روسيااوكرانياأميركا
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
رمز التأكيد
تعليقات القراء