Al Ahed News

المواجهة الشاملة بين روسيا والغرب بعين منظـِّـر استراتيجي اميركي (3/3)

ترجمات ودراسات

صوفيا ـ جورج حداد


اقتراح العودة الى الحرب الباردة

 

هذه هي الحرب الشاملة او المواجهة الشاملة بين روسيا والغرب، وليست "لعبة" قطاعي الرؤوس الدواعش الذين جندتهم المخابرات الاميركية والموساد الاسرائيلية والميت التركية، وليست مجموعة الصبيان الفاشست الذين يقبضون الدولارات ويدخنون الماريجوانا ويسكرون ويخرجون الى شوارع كييف حاملين هراوات البيسبول الغليظة ليتصيدوا معلم مدرسة او طبيبا "اوكرانيا" روسيا أعزل ويحطموا رأسه وعظامه بالبيسبول ويرقصون فوق جثته رقصة حرب هستيرية. وليست 40 او 50 الف مجند اميركي وكندي وانكليزي وغيرهم ينشرون على سواحل لاتفيا وليتوانيا واستونيا ورومانيا وبلغاريا ليتسلوا، وسوف تثكلهم امهاتهم منذ اللحظات الاولى للحرب.
ما هي الحلول التي يقترحها البروفسور لوكاس كاليزا؟
انه ببساطة يقترح العودة الى "علاج" الحرب الباردة.
 لنستمع اليه يقول تحت عنوان "خيارات السياسة المقبلة" يقول حرفيا:
"حسب قرارات قمة فرصوفيا التي كان من المقرر تنفيذها في نهاية سنة 2016 وبداية سنة 2017، يمكن الاستنتاج ان الحلف سينجح في التصدي للتحدي المتمثل في الحد من فرص روسيا ان تخطئ الحسابات حول عزم الحلف، ومن ثم ردع روسيا عن القيام باعمال عدوانية ضد المنطقة المحمية من الناتو. فأي اعمال عدائية في منطقة بحر البلطيق او البحر الاسود سيقف بوجهها، منذ المراحل الاولى، العسكريون التابعون للولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى الاعضاء في حلف الناتو. ففي حين لا يزال بامكان روسيا تحقيق انتصار عسكري باكر بموجب بعض السيناريوهات ( مثلا: اجتياج مفاجئ لاراضي استونيا او بولونيا)، ففي صراع واسع النطاق مع الناتو فإن روسيا سوف تواجه خيارين: اما القيام بانسحاب مذل، او مواجهة التصعيد الى مستوى الاصطدام النووي.  
"وعلى كل حال، لنقل بصراحة، فإن تأمين اراضي الناتو ضد العدوان الروسي المحتمل هو الجزء الاسهل من الرد الغربي. والان يأتي الجزء الاصعب: وهو التقرير بمستقبل السياسة الغربية تجاه روسيا فيما يتعلق بالمنطقة الاقليمية الاوسع.


"هل السياسة الحالية للغرب حيال روسيا تحقق الاهداف والتوقعات التي وضعت لها سنة 2014؟ هنا يتوجب علينا ان نميز بين الاهداف البعيدة والاهداف المتوسطة. يبدو ان الهدف النهائي الشامل المطلوب من روسيا هو العودة الى ما قبل ازمة القرم (او حتى ما قبل حرب جورجيا في 2008) وطريقة انتهاج السياسة الخارجية والامنية، مع شعور متجدد من الاحترام للمبادئ الاساسية للامن الاوروبي كسلامة اراضي الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحرية اختيار التحالفات السياسية والعسكرية. وعمليا، ينبغي التعبير عن ذلك في اعادة القرم الى اوكرانيا، او ـ على الاقل ـ في اجراء تغيير كبير في السياسة المتبعة حيال شرق اوكرانيا والسماح بعودته تحت السلطة الكاملة لكييف. ان ايا من هذه الاهداف ليست الان اقرب مما كانت عليه سنة 2014.  
"اجل، كان هناك ايضا بعض الاهداف المتوسطة التي حققتها السياسة الجارية يمكن القول بشكل افضل. وهذا يتضمن الرفض الواضح للمقاربة الروسية لسياسة القوة بوصفها "عرفا جديدا" في العلاقات الدولية، واظهار الدعم الغربي لقواعد النظام الدولي السائد، وابداء اولوية دعم الوحدة عبر الاطلسية والتعبير عن تماسك حلف الناتو والاتحاد الاوروبي. وكان من المتوقع ايضا ان الضغط على روسيا بواسطة العقوبات يمكن ان يدفعها نحو تجميد الصراع في الدونباس في حدود اتفاقات مينسك، بواسطة الضغط على "الانفصاليين" المحليين.
"وللاسف، يبقى ضعيفا الاحتمال بأن المقاربة المتبعة سوف تؤدي الى نتائج ملحوظة من حيث التغيير في السياسة الروسية. والامر الاهم هو انه ينبغي تغيير المسعى الروسي خلف التنازلات التاكتيكية، والمشاركة في اعادة تحديد مجمل مشروع بناء دولة "روسيا الجديدة" لبوتين. والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو من خلال مرحلة من الاضطرابات الداخلية الملحوظة او تغيير القيادة في روسيا. وبالاضافة الى ذلك فإن القيادة الروسية لديها في الوقت الحاضر حوافز قليلة لتعديل سياستها. وعلى الضد من ذلك، يمكن ان تميل نحو زيادة فرص مأزقها.
"من زاوية نظر الافق الغربي، فإن الضعف الاكبر للاستراتيجية الراهنة يتأتى من تأثرها الزائد بالتآكل التدريجي للتصميم الغربي او بالتغير المفاجئ لسياسة اي من البلدان الغربية الكبرى. ان عددا من الدول قد بدأت بالفعل في تطبيق موقفها الخاص من سياسة روسيا، مع بعض التوسيع لنطاق الاتصالات بالرغم من العقوبات، في حين ان دولا اخرى تتمسك بخط سياسي اكثر تشددا. ان الولايات المتحدة بالذات تشارك على نحو متزايد في المناقشات مع روسيا حول تعاون اوثق في السياسة والاجراءات العملية في سوريا، ومن المحتمل ان سياسة العقوبات الخاصة بالاتحاد الاوروبي سوف يتم الطعن بها "من الداخل" من قبل بعض اعضاء الاتحاد الاوروبي ذات المصلحة في استئناف التعاون الاقتصادي مع روسيا.
"كما يوجد مسائل اخرى ترتبط بالتغيير في ادارة الولايات المتحدة (في حال قطع السياسة الحالية اذا فاز الرئيس ترامب) كما ترتبط بنتائج الانتخابات القادمة في فرنسا والمانيا.


"فماذا ستكون الخيارات البديلة لتغيير الرد الغربي على سلوك روسيا؟
"الامكانية الاولى تكمن ببساطة في السعي الى التوصل الى تسوية جديدة مع موسكو: تقبّـل الموقف الروسي حول مخاطر توسع الاتحاد الاوروبي والناتو، وتقبل المفهوم الاوسع بأن موسكو لها مكانة خاصة في نظام الامن الاوروبي وفي منطقة خاصة بها لمصالحها المميزة. ومن الناحية العملية، فهذا يعني نوعا من التفاهم حول ابقاء اوكرانيا، جورجيا وغيرهما من دول الجوار المشترك كمنطقة عازلة، او "منطقة نفوذ مشتركة" ذات وضعية محايدة تجمع اوروبا، اميركا وروسيا. وهذا يعني ايضا "تصفير" الخلافات وفتح صفحة جديدة في العلاقات مع روسيا. ومن الواضح ان هذه هي الطريقة المفضلة للخروج من الازمة بالنسبة لروسيا، في حين انه من غير المرجح ان يرضى الغرب بهذا النهج. فالقبول بمنطق التسوية يتعارض تماما مع المفهوم الغربي لما بعد الحرب الباردة حول اوروبا "واحدة، موحدة وحرة". وسوف يتعارض مع المبادئ الاساسية للامن الاوروبي، ويرقى الى مستوى التخلي عن القوى الموالية للغرب في شرق اوروبا.
"والخيار الثاني يتضمن نقل المواجهة الى عتبات روسيا، وتكثيف الجهود لاجبارها بالقوة على تغيير نهجها السياسي. مثل هذه السياسة تتطلب ان تكون بقيادة الولايات المتحدة الاميركية وتحتاج لان تتضمن توسيعا ملحوظا و"عميقا" للعقوبات. وهذا الخيار ينبغي ان يتضمن فرض عقوبات على تجارة النفط والغاز الروسية، والضم السريع لجورجيا في عضوية الناتو، وعرض عضوية الناتو على السويد وفنلندا، والدعم الكثيف لاوكرانيا اقتصاديا وعسكريا ـ وكل ذلك ان يكون مدعوما بحضور قوي للقوات المسلحة للناتو على امتداد الجناح الشرقي. وفي حين ان هذا الخيار سوف يلاقي التأييد من انصار رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، فإن مشكلات التنفيذ ستكون واضحة جدا ـ تصاعد التوترات الحربية وانطلاق خطر كبير للحشد العسكري، والتحدي المتمثل في المحافظة على التماسك الغربي، واحتمال قيام روسيا برد فعل وحشي.
"واخيرا فإن الخيار الثالث هو الاقتراض بشكل كبير من عقيدة الاحتواء الخاصة بالحرب الباردة، والتركيز على الاتفاق على قواعد ثابتة للتعايش. ويمكن ان يتضمن ذلك تأسيس توازن عسكري جديد بين الناتو وروسيا، مع ضبط النفس من كلا الجانبين وزيادة الشفافية والقدرة على التنبؤ عسكريا، وتحقيق تجميد "صلب" ودائم للنزاع في شرق اوكرانيا، والتعاون في كل حالة على حدة لمواجهة التحديات العالمية كالارهاب والتجمعات السكانية في الحرب الاهلية السورية، وبذل الجهود لازالة العقوبات الاقتصادية من قبل كلا الجانبين. وتحقيق مثل هذا الاستقرار في المواجهة لا يعادل التطبيع الكامل للعلاقة: فبعض العقوبات ستبقى سارية المفعول (بما في ذلك الحظر على الاسلحة ضد روسيا)؛ واحتلال القرم سيبقى معتبرا غير شرعي وباطلا من قبل الغرب؛ والعلاقات بشكل عام ستبقى تتصف بعدم الثقة والتوتر. واخذا بالاعتبار المشاكل الخاصة بالخيارات الاخرى، يبدو ان هذا السيناربو يستحق المتابعة لاحقا".   
واخيرا يصل هذا البروفسور الى التساؤل:
"الى أين سنذهب من هنا؟"
ويجيب:
"في اعقاب ضم شبه جزيرة القرم، ابدى الغرب عزما على مواجهة التصرفات الروسية. وفي السنوات بين 2014 و2016 تمكن من تعزيز الخطوط الحمر المتعلقة بالعدوان على الاراضي التابعة للناتو. وبالرغم من ذلك، ففي السنتين الماضيتين، تبينت كذلك حدود النهج المتبع، الذي كان ضئيل الاحتمال في القدرة على تغيير السياسة الروسية. هذا مع العلم ان بقاء روسيا خارج نظام الامن الاوروبي يمكن ان يكون خطيرا. واذا كانت موسكو ليس لديها مصلحة في الاستقرار في اوروبا، فهذا يمكن ان يغريها ان توسع الاراضي التي تضعها تحت سيطرتها، وان تثير المشاكل، وان تتحدى الناتو والبلدان المجاورة بطريقة مكشوفة اكثر. ولكن مع وجود روسيا داخل نظام الامن الاوروبي، وبالرغم من قدراتها الشريرة، يوجد الكثير من الطرق للتأثير عليها وجعل سلوكها معتدلا.
"وينبغي الا نغذي الاوهام بأنه في وقت قريب سوف يتم كبس زر "اعادة الضبط" وكل شيء سيعود طبيعيا في علاقاتنا. ومع ذلك يمكننا القيام بمبادرات من شأنها على الاقل ان تضمن ان المواجهة بين الغرب وروسيا سوف تتم ادارتها بطريقة افضل، وبتكاليف اقل، وانها لن تلتهم حياة ناس اكثر، في اوكرانيا او غيرها".  
ان هذا البحث يقدم عينة نموذجية عن ازمة الاستراتيجية الاميركية خصوصا والغربية عموما في مواجهة روسيا. وينطبق عليه تمام القول المأثور:
تمخض الجبل فولد فأرا!

 

روسياأميركاأوكرانيا
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
رمز التأكيد
تعليقات القراء