Al Ahed News

حول أبعاد حرب التصفيات بين مسلحي غوطة دمشق الشرقية

خاص العهد

شارل أبي نادر - عميد متقاعد


تدور في الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق حاليًّا، معارك تصفية داخلية بين كل من "جيش الاسلام" من جهة وبعض الجموعات الارهابية من جهة اخرى وعلى رأسها "جبهة تحرير الشام(النصرة)" وفيلق الرحمن، وحيث ان هذا الاقتتال ليس الأول خلال فترة الحرب في سوريا وعليها، فإن ما يجري حالياً قد تكون أبعاده هي الاكثر تأثيراً في مسار هذه الحرب حتى الان.
ينتشر "جيش الاسلام" في الجهة الشرقية والشمالية من الأماكن التي ما زالت خارج سيطرة الجيش العربي السوري في الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق، وذلك انطلاقاً من مدينة دوما والتي تشكل نقطة التجمع والقيادة الرئيسية لهذا الفصيل المسلح، وامتداداً جنوب شرق حتى النشابية وحزرمة، ومن الغرب والجنوب حتى الخط المقابل لأماكن سيطرة فيلق الرحمن في بلدات المحمودية، جسرين، حزة، كفربطنا، زملكا وعربين حتى حي جوبر، مع تواجد مختلط لحركة تحرير الشام مع فيلق الرحمن المذكور في بعض البلدات المذكورة اخيراً.


هذا الاقتتال ليس الأول خلال فترة الحرب في سوريا

 

ميدانيا، يبدو من الحركة الهجومية التي قام بها "جيش الاسلام" انه يهدف لإتمام سيطرته على كامل تلك البلدات المذكورة من الغوطة الشرقية، وقد اختار التقدم ومهاجمة الفصيلين المذكورين حتى خط الاشتباك بمواجهة الجيش العربي السوري، و هو حتى الآن، صحيح انه لم يستطع اكمال هذه السيطرة من الناحية الميدانية ولكنه نجح في تنفيذ عمليات خاطفة اشبه بغارات، أسقط فيها عددا كبيرا من عناصر "فيلق الرحمن" و"جبهة تحرير الشام" بين قتيل ومصاب، مع مصادرة كمية كبيرة من اسلحتها المتوسطة والثقيلة وبعض آليات وعربات القتال والمدرعات وقسم كبير من مخازن الذخيرة.

لا شك ان "جيش الاسلام" يملك القدرة على السيطرة بنسبة مرتفعة، حيث يتجاوز عديد وحداته الخمسة عشر الفا مقابل عدد لا يتجاوز الخمسة آلاف كحد اقصى من "فيلق الرحمن" و"جبهة تحرير الشام" مجتمعين، وبالرغم من ان أغلب مسلحي الفصائل المذكورة هم من ابناء الغوطة، فان "جيش الاسلام" يتفوق على المجموعات الاخرى بتأييد واسع من المواطنين السوريين، نظراً لابتعاد هؤلاء عن تأييد المجموعات المتشددة، وهم ( ابناء الغوطة) واجهوا سابقا "داعش" و"النصرة" بشراسة و كانوا دائما الى جانب المجموعات المتعددة من "الجيش الحر" والتي كانت اساس تكوين "جيش الاسلام"، و حيث يعتبرون الاخير، والذي لا يقل شراسة في معارضة النظام السوري عن غيره من المسلحين، انه قد يكون الاكثر قدرة من بين مجموعات الغوطة الاخرى على مواجهة هذا النظام سياسيا وشعبيا وحتى عسكرياً.


عمليا، يمثل "جيش الاسلام" الفصيل المسلح الاكثر قرباً من المملكة العربية السعودية، والتي، بالرغم من انها تحرك وتدعم العديد من المجموعات المسلحة الاخرى، إرهابية أو "شبه إرهابية" أو "معتدلة"، فان لـ"جيش الاسلام" بالنسبة لها نظرة خاصة، ودائما كانت تعتمد عليه في ايصال الرسائل السياسية الاخف دموية من بين رسائلها المتعددة على الساحة السورية، الدموية او السياسية.

من هنا تأتي اهمية ما يعمل على تحقيقه "جيش الاسلام"، لناحية فرض سيطرة ميدانية كاملة على الغوطة الشرقية، وحيث في نجاحه بذلك سوف يمتلك، بالاضافة لميدان استراتيجي مؤثر على العاصمة وعلى محيطها بالكامل، نقاطا مهمة يستطيع من خلالها ان يفرض نفسه لاعبا مفاوضا اولا في مسلسل المفاوضات المنطلق - مع بعض التعثرات حتى الان - في استانة او في جنيف.

من ناحية اخرى، تتعدد النقاط التي تنتج عن هذه المواجهة الدموية بين مسلحي الغوطة الشرقية، والتي تؤثر سلبا بالطبع على معركتهم بمواجهة الجيش العربي السوري، ومنها تقدمه اللافت مؤخرا في حي القابون والذي يبدو انه على الطريق ليصبح محررا، عبر العمليات العسكرية او عبر تسوية قد تفرض نفسها في الساعات القادمة، ومنها ايضا ما يسقط من اصابات في صفوفهم بشكل عام، حيث سيضعف ذلك قدرتهم القتالية والعسكرية بمواجهة الجيش ولكن ...


هل يستطيع "جيش الاسلام" حسم المعركة وفرض سيطرته على الغوطة الشرقية والانفراد بتمثيل المنطقة ؟


من الناحية الاستراتيجية لن يكون ذلك لمصلحة الجيش العربي السوري، الذي سيكون عليه مواجهة "جيش الاسلام" كفصيل قوي متماسك يسيطر بالكامل على الغوطة الشرقية، يملك قرارا اوحدا عليها، يملك بيئة حاضنة ليست سهلة، يحظى برعاية اقليمية ودولية، وحيث انتظرت تلك الدول كثيراً لتصل الى مجموعة قوية تواجه بها الجيش العربي السوري، بعد أن فشل الكثير ممن دربتهم ودعمتهم لذلك، ستجد في "جيش الاسلام" النواة الاساس للمجموعة التي ستقود المفاوضات مع الدولة السورية، خاصة وان الجيش المذكور كان تقريبا الوحيد حتى الان، من الذين برهنوا انهم الأكثر جدية في السعي لتسوية ولمفاوضات مباشرة مع الدولة السورية.
واخيرا ... هل يستطيع "جيش الاسلام" حسم المعركة وفرض سيطرته على الغوطة الشرقية والانفراد بتمثيل المنطقة الوحيدة في محيط العاصمة التي ما زالت خارج سيطرة الجيش العربي السوري، وخلق نقطة انطلاق جديدة ومؤثرة في مسار المفاوضات بين الدولة السورية والمجموعات المسلحة الاخرى، ام ان معركته الحالية لن تخرج عن مسلسل العنف للعنف، ولن تخرج عن دوامة التصفيات الدموية التي تطبع سلوك اغلب المجموعات الارهابية والمسلحة على الساحة السورية حتى الان؟

 

سورياالغوطة الشرقية
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء