Al Ahed News

قمة الحزام والطريق في بكين: إعلان انطلاق مسيرة التنمية العالمية

خاص العهد

محمود ريا


تشكّل قمة مبادرة الحزام والطريق التي تنعقد في بكين يومي الرابع عشر والخامس عشر من أيار/ مايو الحالي ذروة إبراز الصين لاهتمامها بهذه المبادرة التي أطلقها الرئيس شي جينبينغ عام 2013، والتي تسير الصين في عملية تثبيتها بجدية وحزم، دون تردد أو توقف عند أي عقبات.

بحضور تسعة وعشرين رئيس دولة وحكومة، وممثلين عن عشرات الدول على طول الحزام والطريق ـ وعلى عرضه ـ ستعلن الصين خلال القمة أنها استطاعت فعلاً أن تحوّل الفكرة إلى واقع، وأن تجعل "مبادرة الحزام والطريق" قضية تهتم بها دول العالم، ومعظم هذه الدول اهتمامها إيجابي ومثمر، فيما هناك من يهتم بشكل سلبي ومدمّر.

وهذه النتيجة التي حققتها بكين ليست دون جهد بُذل على مدى السنوات الماضية، ولا بلا تضحيات وعطاء، وإنما من خلال متابعة حثيثة وتقديمات فعلية ملموسة، جعلت دول العالم تشعر بصدقية ما تعرضه الصين، وتؤمن بالشعار الذي تروّج له: مبادرة يربح فيها الجميع، ولا تكون على حساب أحد.

واليوم، بات الجميع يسمعون بـ "مبادرة الحزام والطريق"، وهذا عمل جبّار فعلاً، لأن الفترة الزمنية القصيرة التي مرّت على إطلاق المبادرة، كانت مليئة بالحيوية الصينية في شرح المبادرة وفي إيصال منافعها إلى معظم بقاع الكرة الأرضية، في مسارين متوازيين ومتكاملين، ينتج عنهما إحساس نفسي ومادي بهذا الإنجاز الذي يُتوقع له أن يصبح حديث الناس على مدى العقود المقبلة.

لم تترك الصين طريقاً يمكن سلوكه للتعريف بالمبادرة إلا وسلكته: فمن تعميق العلاقات السياسية مع مختلف الدول، إلى بناء شراكات اقتصادية على أعلى المستويات، إلى تقديم مساعدات مادية وعينية في جميع القارات، إلى نسج خيوط التبادل الثقافي والاجتماعي مع مختلف فئات المجتمعات في الدول على امتداد الحزام والطريق، إلى إطلاق وسائل إعلامية متخصصة هادفة للتعريف بالمبادرة، إلى غير ذلك من النشاطات والتحركات التي كانت ناجحة في إبراز صورة هذا المنعطف الحضاري الجديد ـ القديم بأبهى صوره.

والمبادرة في أساسها هي استعادة للماضي، ولما عاشته الأجيال السابقة من تواصل وتقارب، بالرغم من بعد المسافات ووعورة الطرق وأهوال الصحاري والبحار، بحيث كان أمم العالم تتواصل فيما بينها عبر السفن والقوافل، وتتمازج الحضارات وتتلاقح الأفكار وتتعارف الشعوب، فضلاً عن تبادل السلع والبضائع ونقل ما هو موجود في هذا الجزء من العالم إلى الجزء الآخر.

ومن إرث طريق الحرير بشقّيه البري والبحري، الذي كانت الصين في كلتا الحالتين نقطته الأقصى شرقاً، انبثقت "مبادرة الحِزام الاقتصاديّ لطريق الحرير، وطريق الحرير البحريّ للقرن الـ21"، ليشكّلا استعادة لأمجاد الماضي، وانطلاقاً نحو مستقبل محكوم بالتواصل والتمازج، تقوده عولمة واعية، قائمة على الاستفادة المشتركة للجميع، وبعيداً عن هيمنة أي طرف على الأطراف الأخرى، بما يسمح للعالم أن يعيش بسلام وأن يسير على طريق التنمية التي تقود بشكل مباشر نحو تجفيف المشاكل والقضاء على التناقضات والسماح ببناء عالم جديد يجد الجميع فيه ذواتهم ومستقبلهم.

ونحن العرب معنيون بهذه المبادرة، ومعنيون أيضاً بالمنتدى الذي يبدأ أعماله الأحد المقبل، ولكن الحضور العربي ليس بمستوى الاهتمام اللائق الذي يجب أن نعطيه لحضور حدث بهذا الحجم العالمي الكبير.

وغياب أي "رقم واحد" عربي عن القمة، بالرغم من مشاركة العشرات من رؤساء الوزراء والوزراء والمسؤولين الآخرين، يعطي رسالة مشوّشة عن موقف الدول العربية من المبادرة، بالرغم من كل المدائح التي يكيلونها لها كل يوم، والنوايا الطيبة التي يبدونها تجاه الانخراط في هذه المنظومة الاقتصادية السياسية الاجتماعية الثقافية غير المسبوقة على مستوى العالم.

ويبدو أن انعقاد قمم أخرى على مستوى رفيع في الرياض بمشاركة أميركية ودولية في وقت قريب لقمة الحزام والطريق جعل الدول العربية تحرص على عدم إثارة غضب واشنطن بالظهور في موقع الحليف للصين عبر المشاركة بقمتها التي تتوج منتدى الحزام والطريق، وهذا يحمل إشارات لافتة حول المدى الذي يمكن أن تنخرط فيه الدول العربية في المبادرة، في ظل غموض الموقف الحقيقي للولايات المتحدة منها.

على كل حال، فإن القمة ستنعقد بالحاضرين، والمنتدى سيجمع ممثلين لأكثر من مئة دولة، وستكون أيام 14 و15 أيار/ مايو فرصة للعالم لخلق مؤسسة جديدة تقود مسيرة التنمية في أربع رياح الأرض.

إنها فرصة تقف وراءها دولة كالصين، تتمتع بكل المقوّمات اللازمة لقيادة عملية التنمية المتناغمة والتشاركية والعادلة والمستمرة في كل بلد، بعيداً عن مشاريع المارشال الغربية، التي كانت وما زالت تقوم على مبدأ الهيمنة المطلقة على البلاد الموعودة بالإنماء، لتحول عملية التنمية فيها إلى كابوس حقيقي بدل أن تكون فرصة للانطلاق نحو المستقبل.

الصين
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
رمز التأكيد
تعليقات القراء