Al Ahed News

اوروبا عام 2013

بانوراما 2013

صوفيا ـ جورج حداد


سنة ميلادية أخرى مرت في عمر القارة العتيقة والعالم. وتميزت هذه السنة، باختصار شديد، بعلامتين رئيسيتين:

الاولى ـ استمرار القلق والتردد الاوروبي، على المستويات الاقتصادية والسياسية والجيوبوليتيكية العالمية. وإن كان قد بدأ يظهر في نهاية النفق بصيص نور لا يزال خافتا، يتمثل في الانتصار الباهر لأنجيلا ميركل في الحصول على فترة ولاية ثالثة، وتشكيلها حكومة ألمانية ائتلافية بين القوتين السياسيتين الرئيسيتين في المانيا وهما: الديمقراطيون المسيحيون والاشتراكيون الديمقراطيون. وهذا البصيص النور يؤشر على صعود الدور القيادي لألمانيا في الاتحاد الاوروبي ومنطقة اليورو، وخفوت الدور "الاوروبي" و"العالمي" للأقطاب الأوروبية الاخرى: بريطانيا وفرنسا وايطاليا.

والثانية: هي صعود نجم روسيا التي أصبحت تضطلع بدور رئيسي في الشؤون الأوروبية على طريقة "الغائب ـ الحاضر"، بما يؤكد المقولة القديمة المعروفة وهي: "اوروبا (زائد) روسيا هي كل شيء؛ وأوروبا (ناقص) روسيا هي لا شيء". وقد ظهر ذلك في مناسبتين: الاولى ـ مناسبة نشر أجزاء من منظومة الدرع الصاروخية الاميركية في بولونيا، حيث ردت روسيا على ذلك بنشر بضعة صواريخ لا غير من طراز "اسكندر" في منطقة كاليننغراد المحاذية لبولونيا، فارتعدت فرائص الإتحاد الأوروبي والحلف الاطلسي كله، واضطرت أميركا للتوقف عن نشر منظومتها العدوانية. والمناسبة الثانية هي مشروع جر اوكرانيا للتوقيع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي رغما عن روسيا وضد مصلحتها، وهو المشروع الذي جرى التحضير له منذ سنوات، ولكن في اللحظة الأخيرة امتنعت أوكرانيا عن التوقيع على الاتفاق واستدارت بوجهها من جديد نحو روسيا، فكانت تلك أكبر صفعة يتلقاها الإتحاد الأوروبي في تاريخه، ولكنه لم يجرؤ على ان يحرك ساكنا على أي مستوى كان. وسيكون لهذا الحدث ما بعده على صعيد العلاقات الروسية مع دول الاتحاد السوفياتي السابقة، كما على صعيد العلاقات الروسية ـ الاوروبية عامة.

ونحاول فيما يلي ان نستعرض أهم الاحداث والمجريات الأوروبية، كما يراها غايفين هيويت، محرر الشؤون الأوروبية في "البي بي سي"، وغيره من المحللين والمراقبين الدوليين:
اعادة انتخاب ميركل مستشارة لالمانيا لولاية ثالثة
اعادة انتخاب ميركل مستشارة لالمانيا لولاية ثالثة
1 ـ تقدر غالبية المحللين أن أهم حدث سياسي اوروبي سنة 2013 هو الفوز البارز لأنجيلا ميركيل وحزبها في الانتخابات النيابية في ايلول/سبتمبر 2013، وتجديد ولايتها للمرة الثالثة على التوالي كمستشارة لألمانيا، ومن ثم نجاحها في تشكيل حكومة ائتلافية مع الاشتراكيين الديمقراطيين، الحزب الرئيسي المعارض لحزب ميركيل الديمقراطي المسيحي. ويعتبر المراقبون أن هذا الفوز هو فوز شخصي لميركيل وسياستها الصلبة ـ المرنة، لا سيما على الصعيد الاقتصادي الذي جنب ألمانيا الوقوع في براثن الأزمة، أكثر مما هو فوز لحزبها المحافظ. وفي حين تتدهور شعبية جميع الزعماء الأوروبيين الاخرين، فإن شعبية ميركيل تقدمت بشكل ملحوظ. وتبدى ذلك في حصول حزب ميركيل على نسبلة اصوات تفوق اكثر من 7% النسبة التي حصل عليها الحزب في انتخابات 2009 التي فاز فيها ايضا. وقد تلقت ميركيل تهاني جميع زعماء العالم، ولكن اكبر "هدية" سياسية بمناسبة فوزها تلقتها من روسيا، وذلك بالإفراج عن المعارض الروسي الرئيسي ميخائيل خودوركوفسكي وتسفيره الى المانيا بالذات. مما يعطي العلاقات الروسية ـ الألمانية طابعا خاصا معززاً بخط انبوب الغاز القاري المسمى "السيل الشمالي" الذي يعبر بحر البلطيق من روسيا إلى المانيا مباشرة، والذي ستتحول معه ألمانيا الى مركز رئيسي لتوزيع الغاز الروسي في اوروبا. ويرجح بعض المراقبين ان يدخل خودوركوفسكي في إطار تسويق الغاز الروسي من المانيا ويسحب امواله من البارون روتشيلد، الذي سبق ان اشترى صوريا حصة خودوركوفسكي في شركة النفط "يوكوس" العملاقة التي فككتها الدولة الروسية سنة 2007، بعد اعتقال خودوركوفسكي في سنة 2003.

2 ـ و"الحدث" او "اللاحدث" الثاني في تقدير غالبية المراقبين، هو استمرار مأساة البطالة الواسعة في أوروبا، وعجز الاتحاد الاوروبي والبنك المركزي الأوروبي عن ايجاد حل لمأساة 26 مليون عاطل عن العمل مسجلين رسميا في دول الاتحاد. ومن امثلة ضخامة هذه المأساة، انه حينما اعلنت شركة IKEA  الايطالية عن الرغبة في فتح محلات جديدة في مدينة بيزا وحاجتها الى 250 موظفا، تقدم لطلب العمل في الشركة 28 الفا و816 شخصا. مما اعاد  الايطاليين الى ذكريات مآسي البطالة الواسعة في اعقاب الحرب العالمية الثانية. وان مئات آلاف اليونانيين والايرلنديين يغادرون موطنهم بحثا عن العمل في بلدان اخرى. ومن سخرية الاقدار ان آلاف البرتغاليين يتوجهون للعمل في أنغولا، المستعمرة البرتغالية سابقا.

3 ـ وفي حين يعبر ملايين الاوروبيين عن نقمتهم على الإجراءات التقشفية والصرف من العمل وزيادة الضرائب، بحجة مساعدة البلدان الأوروبية المأزومة كاليونان، فإن المعارضة الأوكرانية الموالية للغرب دفعت عشرات آلاف الاوكرانيين المضللين للتظاهر والاعتصام في الشوارع في اقسى الظروف المناخية، للمناداة بضرورة انضمام أوكرانيا الى الإتحاد الأوروبي، والتهديد بقيام "ثورة برتقالية" جديدة. وقد اعلنت روسيا، التي تشرّع أبوابها لجميع السلع الأوكرانية، انها لن تسمح للقنوات التجارية المفتوحة مع أوكرانيا ان تكون حصان طروادة لتخريب الاقتصاد الروسي. وكإجراء تحذيري ـ وقائي عمدت روسيا الى تشديد اجراءات التفتيش الجمركي على الحدود مع أوكرانيا مدة اسبوع واحد. فتعرقل وصول آلاف التيرات الاوكرانية الى اسواقها، وخسرت أوكرانيا في اسبوع واحد فقط حوالى 5 مليارات دولار. واعلنت أوكرانيا الامتناع عن توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الاوروبي. ووقف قادة الاتحاد يفركون ايديهم عاجزين. و"نفـّست" المعارضة الاوكرانية كالبالون المنفوخ.
التظاهرات في اليونان ..احتجاجات على السياسة التقشفية
التظاهرات في اليونان ..احتجاجات على السياسة التقشفية

4 ـ انتخب هذه السنة بابا جديد للفاتيكان، وهو من اميركا اللاتينية، ومن انصار التيار الإصلاحي في الكنيسة. وقد أثار حفيظة المدافعين عن النظام الرأسمالي حينما هاجم الأغنياء، ومن اقواله "ان ثقافة الاغتناء تقتلنا. ان النقود يجب ان تخدم، لا ان تسيطر".

5 ـ بسبب السياسة الاستعمارية والاستعمارية الجديدة (نيو ـ كولونياليزم)، فإن البلدان الشرقية المنهوبة، وخاصة افريقيا، تزداد فقرا على فقر. وتندفع عشرات آلاف العائلات، ولا سيما من الشباب، الأفارقة والآسيويين، في دروب الهجرة المشروعة وغير المشروعة، إلى اوروبا، سعيا وراء لقمة العيش. ولكن الطريق الى "الجنة الاوروبية" التي هي في الحقيقة الطريق الى "العبودية الجديدة" تصبح أيضا "الطريق الى الموت". وفي شهر تشرين الاول 2013 غرق امام شواطئ جزيرة لامبيدوزا الايطالية مركب محمل بأكثر من طاقته من المهاجرين غير الشرعيين غالبيتهم من الصومال وأريتريا، الذين مات منهم غرقا 350 شخصا من الرجال والنساء والاطفال وعيونهم شاخصة الى "الجنة الاوروبية" الموعودة. وقد ادانت الصحافة التقصير في عمليات الانقاذ، وكشفت وجود قوانين تعرقل عمليات الانقاذ بحجة عدم مساعدة الهجرة غير الشرعية. ان مئات الآلاف من البؤساء من افريقيا والشرق الاوسط يلقون بأنفسهم في قبضة عصابات تهريب البشر للوصول الى اوروبا بطريقة غير شرعية، ومع ذلك فإن السياسة الاوروبية حيال الهجرة لا تزال تتخبط بقوانين عفا عليها الزمن وتتعارض كل التعارض مع ابسط قواعد حقوق الانسان التي تتاجر بها اوروبا واميركا.

6 ـ وخلال السنة الماضية سقط نهائيا من السلطة في ايطاليا المافيوز المتهتك سيلفيو بيرليسكوني، الذي سيطر على السياسة الايطالية عقدين من الزمن، وكان يمثل البرجوازية المحافظة المتحالفة مع المافيا. ويقدر بعض الخبراء ان ايطاليا ما بعد بيرليسكوني ستمر بمرحلة من التخبط السياسي والتبديل الحكومي، على خلفية الأزمة الاقتصادية، تماما كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية.  
الهجرة فير الشرعية ..بقيت هماً يؤرق الاوربيين
الهجرة فير الشرعية ..بقيت هماً يؤرق الاوربيين
7 ـ بالرغم من مرور اكثر من عقدين على تأسيس الاتحاد الاوروبي، الذي تأسس سنة 1992، والذي ورث "السوق الاوروبية المشتركة" التي تأسست رسميا سنة 1957، فإن فكرة الاندماج الاوروبي وحتى الإنتماء للإتحاد الاوروبي لا يزالان موضع تشكيك من قبل العديد من الدول الاوروبية ولا سيما بريطانيا. وفي مطلع سنة 2013 ألقى رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون خطابا اعلن فيه معارضته لسياسة تعميق الاندماج الاوروبي، واقترح اجراء استفتاء سنة 2017 حول عضوية بريطانيا في الاتحاد. وقد تعرض كاميرون لانتقادات عديدة، الا أنه في مجرى السنة تبين ان هناك دولا اخرى تشكك ايضا في جدوى الإنتماء الى الإتحاد.

8 ـ بعد ان ضربتهما الأزمة المالية والاقتصادية، ولمواجهة الضغط المتزايد من الأسواق الاسيوية ( وخاصة الصين) قرر الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الأميركية الشروع في محادثات من اجل تشكيل سوق مشتركة ستكون اكبر سوق مشتركة في التاريخ الحديث وستسمى "اتفاق الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الاطلسي" (Trans-atlantic Trade and Investement Partnership). وتواجه المحادثات صعوبات في الاتفاق على القضايا الخلافية كالانتاج الزراعي، والقضايا الثقافية، وتوحيد المقاييس والمعايير. كما تعرقلت المحادثات بسبب توقف الادارة الاميركية عن العمل في اوائل شهر ايلول /سبتمبر بسبب تأخير اقرار الميزانية الاميركية، وكذلك بسبب فضيحة التجسس الاميركية على المواطنين والزعماء الاوروبيين شخصيا.

9 ـ وقد تلطخت سنة 2013 بدماء عشرات القتلى والجرحى من المدنيين الروس الذين سقطوا بنتيجة عمليتين ارهابيتين قام بهما ادعياء الاسلام في شهر كانون الاول/ديسمبر الماضي في محطة القطارات وفي احد الباصات الكهربائية في مدينة فولغوغراد (ستالينغراد سابقا). ويقول الخبراء المحايدون ان هذه العمليات هي انتقام من دور روسيا في الوقوف بوجه المؤامرة الدولية ضد سوريا التي تشارك فيها السعودية ومشيخات النفط العربية التي تدعم العصابات الارهابية المتاجرة بالدين الاسلامي، ودورها خصوصا في دعم الاستقرار والدعوة الى المصالحة الوطنية في سوريا. وقد اولى الرئيس بوتين اهتماما خاصا بهاتين العمليتين الارهابيتين ودعا الاجهزة الامنية لكشف الجناة وشركائهم في الداخل والخارج وانزال اشد العقوبات بهم واجتثاثهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل 
اوروبااوروبا القلقة.... وروسيا الصاعدةجورج حداد