Al Ahed News

المواجهة الشاملة بين روسيا والغرب بعين منظـِّـر استراتيجي اميركي (1/3)

ترجمات ودراسات

صوفيا ـ جورج حداد


تصدر جامعة هارفرد الاميركية مجلة بحثية استراتيجية فصلية تسمى H I R (مجلة هارفارد العالمية). ويرأس قسم الابحاث فيها لوكاس كوليزا، وهو باحث رئيس في (H I R) (Harvard International Review) وفي غيرها من المجلات ومراكز البحث الاستراتيجي الاميركية والغربية.
وفي العدد الفصلي الاخير الذي صدر عشية استلام دونالد ترامب مهامه رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة الاميركية، نشر لوكاس كوليزا مقالا بانوراميا عن المواجهة الشاملة بين روسيا والغرب بعنوان "روسيا والغرب، الاندفاعة الروسية الاخيرة، الرد الغربي، وماذا يحمل الغد".

 

"العدوانية" الروسية

ويبدأ لوكاس مقاله كما يلي:
"في اواخر شباط 2014، عندما ظهر الكلاشينكوف في ايدي "رجال خضر صغار" وانطلق الاستيلاء على المباني الحكومية، المطارات وغيرها من الاماكن الاستراتيجية في شبه جزيرة القرم الاوكرانية، فإن بقية اجزاء العالم اخذت تراقب بمزيج من المفاجأة والخوف. وبالرغم من ان الجنود كانوا يرتدون بزات عسكرية بدون شارات مميزة، كان من الجنون تعريفهم بأنهم من القوات الروسية الخاصة. وفي اذار، وبعد اجراء مسرحية "استفتاء" مزيف، جرى ضم شبه جزيرة القرم الى الفيديرالية الروسية. وفي الشهر التالي، قامت مجموعة اخرى من المقاتلين الملثمين، المدربين والمسلحين جيدا، بمهاجمة مراكز الشرطة في شرق اوكرانيا، مطلقين بذلك ما تحول الى نزاع دموي طويل في منطقة الدونباس".
ويخلص البرووفسور لوكاس كوليزا الى القول انه "من المهم ان نستذكر الاحداث في مطلع عام 2014 حتى نذكـّر انفسنا لماذا وجد الغرب نفسه في مواجهة مع روسيا".
ويدعي لوكاس كوليزا ان روسيا قامت بـ"اقتطاع" شبه جزيرة القرم التي هي "اراض اوكرانية"، كما قامت بدعم المتمردين في شرق اوكرانيا، وذلك بواسطة الوحدات الروسية الخاصة وان كانت لا تضع شارات عسكرية مميزة، وهو ما أسماه لوكاس كوليزا "الرجال الصغار الخضر" الذين يحملون الكلاشينكوف والذين قاموا باحتلال المؤسسات العامة في القرم وشرق اوكرانيا. وهو يعزو سبب المواجهة الروسية ـ الغربية الاخيرة إلى هذا "العدوان الروسي".  
ان من يقول هذا الكلام ليس مذيعا في قناة فضائحية ولا كاتبا مغمورا في صحيفة صفراء، بل احد ابرز الباحثين الاستراتيجيين الاميركيين. وهذا يدل أن هناك "مدرسة" ايديولوجية كاملة متخصصة في "شيطنة" روسيا والانسان الروسي حتى وهو ذاهب الى الكنيسة ليصلي.
ونرى من الضروري العودة الى احداث شباط 2014 وما بعدها في اوكرانيا. فقد كان هناك اتفاق صدر بشأنه بيان في 19 شباط 2014 بين الحكومة الروسية والحكومة الاوكرانية السابقة (بزعامة الرئيس الاوكراني السابق يانوكوفيتش) والمعارضة الاوكرانية السابقة الموالية للغرب والتي كانت تطالب بالانضمام الى الاتحاد الاوروبي. وكان الاتفاق يتضمن اقتراحا بتشكيل لجنة ثلاثية (اوروبية ـ روسية ـ اوكرانية، من الحكومة والمعارضة حينذاك) للبت في طريقة استخدام انضمام اوكرانيا الى الاتحاد الاوروبي لتطوير العلاقات بين الاطراف الثلاثة، وليس للاضرار بروسيا. ذلك ان اوكرانيا كانت تحصل من روسيا على امتيازات خاصة استثنائية، منها سعر الغاز المخفض جدا، والاعفاءات الجمركية الكاملة، حيث ان التير الاوكراني كان يعبر الحدود الروسية بدون اي تفتيش وبدون ان يدفع اي رسوم بمجرد ان يبرز السائق اوراقه الاوكرانية، وكان هناك ما يقدر بمليونين الى ثلاثة ملايين عامل اوكراني يعملون يوميا في روسيا، يدخلون الى روسيا في الصباح ويعودون الى بيوتهم في المساء او في نهاية اسبوع العمل، وينقلون اموالهم دون اي حسيب او رقيب، بل يعبرون الحدود بمجرد ابراز الهوية الاوكرانية، وكانت هناك تجارة الشنطة بدون حسيب ولا رقيب ايضا. والمواطنون الاوكرانيون كانوا ينقلون الشنط من والى روسيا دون ان يسألهم احد شيئا الا في حالة الشك بتهريب المخدرات او الاسلحة. وكانت روسيا تؤيد انضمام اوكرانيا الى الاتحاد الاوروبي، وان يساعد ذلك على تحسين العلاقات بين الاطراف الثلاثة (روسيا ـ اوكرانيا ـ الاتحاد االاوروبي)، لا ان يكون ذلك وسيلة لتحويل اوكرانيا الى جسر لتخريب الاقتصاد الروسي بواسطة المافيات والتهريب وتهديد الامن الروسي. وكان الاتحاد الاوروبي ذاته بصدد البحث في هذا الاقتراح، ولكن الجناح اليميني المتطرف في المعارضة الاوكرانية (وخاصة ما يسمى "القطاع الايمن" وهو منظمة شبه عسكرية فاشستية اسسها خلال الحرب العالمية الثانية ستيبان بانديرا وحاربت حينذاك مع النازييين الالمان، وقد اغتيل بانديرا على يد المخابرات السوفاتية في ميونيخ في 1959. وكان البرلمان الاوكراني، الذي كانت الاكثرية فيه من حزب الرئيس السابق يانوكوفيتش (حزب الاقاليم) قد اتخذ قرارا بمنع رجال الامن من استخدام السلاح الناري ضد المعارضة حتى في حالة الدفاع عن النفس. وقد استغلت المعارضة اليمينية المتطرفة هذا القرار، وقامت المجموعات الفاشستية المعادية للروس بمهاجمة البرلمان وفرز رجال الشرطة الروس او الناطقين باللغة الروسية وقتلهم بدم ببارد امام زملائهم الاوكرانيين، بواسطة الضرب حتى الموت بعصي البايسبول الغليظة واحيانا بالحراب او بالرصاص. ثم اقتحموا البرلمان واجبروا الحكومة على الاستقالة وشكلوا حكومة يمينية برئاسة المجرم والخائن ارسيني ياتسينيوك، الذي قررت حكومته الغاء الاعتراف باللغة الروسية كلغة رسمية ثانية في البلاد (علما ان متوسط عدد الروس والناطقين بالروسية في اوكرانيا بمجملها كان يبلغ نحو 40% من السكان، وفي المناطق الشرقية كان يبلغ قرابة 100%، وفي العاصمة كييف واوديسا واواسط اوكرانيا كانت النسبة اكثر من 50% من الروس والناطقين بالروسية، وفقط في غرب اوكرانيا على حدود بولونيا وسلوفاكيا والنمسا تبلغ نسبة الناطقين بالاوكرانية نحو 100%).

وقررت حكومة ياتسينيوك فصل الروس والناطقين بالروسية من القوات المسلحة والقوى الامنية، وكان الالوف من هؤلاء المواطنين من القرم ومن شرق اوكرانيا، فأبلغوا انهم سيحصلون على مستحقاتهم بعد الصرف من الخدمة من مناطق سكن عائلاتهم في الشرق، وبدأ يجري تجميعهم وتحميلهم في الباصات و"الكميونات" للعودة الى بيوتهم في الشرق. ولكن العصابات اليمينية المتطرفة من "القطاع الايمن" وغيره كانت تكمن لهؤلاء الرجال خارج المدن، وتنزلهم من الباص او "الكميون" وتجبرهم على الركوع وتأمرهم بشتم روسيا، وحينما لا يفعلون ينهالون على المجموعة بالضرب بهراوات البايسبول وبالرصاص، ويقتلون اغلب افراد المجموعة، ويبقون على الاقلية احياء ويأمرونهم باعادة تحميل جثث رفاقهم المقتولين ومتابعة الطريق. فكان الاهالي (الآباء والامهات والزوجات والابناء) الذين ينتظرون وصول "رجالهم" في المناطق الشرقية يستقبلون جثثهم. وتحولت عملية فرز القوات المسلحة والامنية الى جنازات جماعية للروس والناطقين بالروسية في القرم والدونباس وشرق اوكرانيا. ومع ذلك لم تحدث اي عملية انتقام من الضباط والجنود الاوكرانيين في ثكنات الجيش والشرطة في القرم وشرق اوكرانيا، ولكن الجماهير الشعبية الغاضبة طوقت ثكنات الجيش والشرطة وحاصرتها ومنعت ايا كان من الدخول او الخروج منها، كما ان غالبية رجال الجيش والشرطة في الثكنات، الذين هم من الروس والناطقين بالروسية انتفضوا واعلنوا عدم الاعتراف بالحكومة الانقلابية وعدم استعدادهم لالقاء السلاح، والتحول الى تشكيل "قوات الدفاع الشعبي الذاتي" والمطالبة بالانفصال عن اوكرانيا والعودة الى ضم اراضيهم الى "الام روسيا" كما كانت في القرون الماضية. وطلب الى العناصر الاوكرانية الاختيار بين الانضمام الى الانتفاضة او تصفية حساباتهم والعودة الى منازلهم في وسط وغرب اوكرانيا بدون سلاح وبالالبسة المدنية. والشيء ذاته جرى في القاعدة الجوية التي كانت تضم اكثر من 50 طائرة حربية، فإن بضعة ضباط طيارين فقط لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الواحدة اختاروا العودة الى منازلهم. كما اصدرت حكومة ياتسينيوك اليمينية امرا الى اسطول البحر الاسود الروسي الموجود في سيباستوبول في القرم بالرحيل نهائيا، وامرا آخرا الى القطع البحرية الاوكرانية في سيباستبول بتوجيه مدافعها الى الاسطول الروسي واجباره على الرحيل. ولكن غالبية الضباط والجنود البحارة في الاسطول الاوكراني، بمن في ذلك الاميرال قائد الاسطول الاوكراني رفضوا تنفيذ هذا الامر المشين واعلنت السفن الحربية الاوكرانية الانضمام الى الاسطول الروسي، وطبعا كان غالبية ضباط وبحارة الاسطول الاوكراني من الروس واقلية ضئيلة جدا من الاوكرانيين الذين سمح لهم بالعودة الى منازلهم بدون سلاح وبالالبسة المدنية.
وفيما بعد جرى الاستفتاء لانضمام القرم الى روسيا وانفصال دونيتسك ولوغانسك ("روسيا الجديدة" كما كانت تسمى في القرون الماضية) عن اوكرانيا. وعلى الاثر بدأت الحرب الاهلية في شرق اوكرانيا. وتعرضت دونيتسك ولوغانسك الى قصف وحشي من قبل الجيش الاوكراني وعصابات منظمة "القطاع الايمن"، ووقع آلاف الضحايا في صفوف المدنيين، ولكن الجيش الاوكراني والعصابات الفاشستية عجزوا عن استرجاع المناطق المنفصلة. ومن وجهة نظر عسكرية كان ولا يزال الى الان بامكان "قوات الدفاع الشعبي الذاتي" في دونيتسك ولوغانسك دحر الجيش الاوكراني والعصابات الفاشستية وتحرير كل اواسط اوكرانيا حتى كييف، التي اكثر من نصف سكانها هم من الروس والناطقين بالروسية. ولكن روسيا تمارس نفوذها لدى الجمهوريتين المنفصلتين لاتخاذ موقف دفاعي فقط، وتقوم روسيا مع المانيا وفرنسا وبولونيا بالتوسط لايجاد حل سياسي للمشكلة الاوكرانية على قاعدة المحافظة على الحقوق الثقافية للروس في اوكرانيا واقامة صيغة فيديرالية للجمهورية الاوكرانية تحول دول انفصال دونيتسك ولوغانسك، وتعترف فيها اوكرانيا بشرعية عودة القرم للانضمام الى روسيا

(يتبع)

روسياالدول الاوروبيةأميركا
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء