Al Ahed News

بين القلعة والمقام: جولة سياحية في بعلبك 2/1

خاص العهد

أم البنين مصطفى



كل الحضارات مرت من هنا وترك كلٌّ منها معالم وآثاراً...

هنا تختبئ الشمس حين يُعييها تعب النهار، على كتف بعلبك تستريح.. تشاركها الفرح والترح وترخي خيوطها الذهبية على معالم المدينة.. من قبة مقام السيدة خولة (ع) إلى أعمدة القلعة إلى منازلها ومساجدها التراثية وكل ما فيها من شمالها إلى جنوبها.
أهلاً بالسائحين من شتى أصقاع الأرض في مدينة الشمس بعلبك..أقدم ما بناه البشر في العالم بأسره.. مدينة الكرم والضيافة المستلقية في أحضان سهل البقاع، وأحد أهم مواقع السياحة في لبنان والعالم.


بعلبك.. جوهرة أثرية وتراثية
حجارة ضخمة تزن عشرات الأطنان، أعمدة وجدران عملاقة، رموز منقوشة عصت الزمن وصمدت بوجه عوامله، كل ذلك يعكس لك العظمة، عظمة البناء والتاريخ ويعزز اسطورة أن هذا الصرح "بنته قوى خارجية من الفضاء"! وما ستراه هنا سينسيك مشوار الخمسة والثمانين كيلومتراً من بيروت إلى بعلبك..


في قلعة بعلبك ما أنت إلا روماني من العصور القديمة، أو هكذا تظن نفسك متنقلاً على أدراجها وبين أعمدة معابدها. تسرح عيناك فيها دون رغبة بالعودة، تمشي أنت وتبقى هي مسمرة، تمعن في الكتابات والنقوش ورؤوس الأسود المرتفعة على بوابات القلعة والتيجان التي تزين رؤوس الأعمدة الشامخة رغم أنف الزمن.


 القلعة الأثرية وجهة السياح من العالم


"كنت في شوق لرؤية هياكل بعلبك، هذه ليست أول زيارة، لكن عمق التاريخ فيها والمجد يعيدك إليها مجدداً"، هكذا تختصر السائحة القادمة من بلجيكا الإجابة عن سؤالنا عما رأته في القلعة.
الدهشة وحدها شعور لا يفارق جولتك هنا، من المدخل الصرحي إلى الباحة الكبرى إلى معبد جوبيتر أكبر المعابد الرومانية والذي لم يبق منه سوى ستة أعمدة قيد الترميم حالياً. ثم معبد باخوس -الجزء الأكثر صموداً في القلعة. وكأن الحجارة المتفرقة في أرجاء القلعة رغم أنها شاهد على ما تعرضت له عبر الزمن، إلا أنها عيّنات تمنحك عن قرب التمعن في النقوش والنحت المرتفع في أعلى الجدران والأعمدة.
 قلعة بعلبك، التي بناها الرومان في مئتي سنة، مرت عليها حضارات أخرى لا سيما الإسلامية وتركت هي الأخرى بصماتها عليها، ومسجد النبي إبراهيم شاهد على ذلك. المسجد الذي لا يزال قائماً قبالة الأعمدة الستة والذي يعتبر أقدم أثر إسلامي قائم حتى الآن في لبنان.
هذه أولى محطات الجولة السياحية في بعلبك. خارج القلعة تلتمس الصراع بين الماضي والحاضر. قرب أنواع السيارات التي تمر إلى جانب المقاهي والمطاعم جِمال وخَيل. باستطاعتك ركوب أحدها ليجول بك في محيط القلعة. تجربة بنكهة تراثية محض ومحاولة للعودة بك إلى أيام الأجداد.


عمارة بعلبك التراثية


في المحطة التالية، تتذوق التراث بنكهته الأصيلة في البيوت القديمة المحيطة بهياكل بعلبك. منازل تحتضن العناصر المعمارية للعهدين العثماني والفرنسي. من حصيلة الإرث الثقافي والمعماري في المدينة منزل الشاعر خليل مطران في حي النصارى. ومنها فندق "بالميرا"، المنزل القديم الذي شيّد بمساحة كبيرة على بقايا المدرج الروماني. فندق يحتفظ بأنفاس الماضي ولمساته في البناء وفي المحتويات من أثاث وتحف وثريات. يعينك ذلك على قضاء ليالٍ بعلبكية في أحضان ذلك الماضي العريق.


نقوش اسلامية


عند انتهاء الجولة بالقرب من القلعة لا بد من قصد المقلع الروماني. عند مدخل أحد أكبر المقالع في بناء القلعة الأثرية يأخذك الرعب لمشاهدة أكبر حجرين منحوتين في العالم، "حجر الحبلى" وتوأمه. الأسئلة هنا لا تنفك تلح عليك لإيجاد إجابات عن الأيدي التي نحتت والقوة التي نقلت أمثال هذه الحجارة لبناء معابد بعلبك. لكنك تغادر  وعلامات الإستفهام تربك عقلك، لا سيما عند مشاهدتك تلك المغاور الموجودة في المقلع وما تحويه من قبور قديمة.


حجر الحبلى


"مدينة المعابد" هكذا سميت بعلبك قديماً لكثرة المعابد فيها. بعد العهد الروماني بنيت معابد في المدينة من حجارة القلعة. وحوّل من استولى على القلعة أجزاء منها الى معابد كل حسب ديانته.

مقام السيد خولة
"موقع العهد" زار أيضاً مقام السيدة خولة بنت الإمام الحسين (ع). المقام المطل على القلعة والذي يستقبلك قبلها عند المدخل الجنوبي للمدينة. مشياً من القلعة إلى المقام، على رصيف من البازلت، مسافة لا تستغرق أكثر  من أربع دقائق.
هنا سياحة من نوع آخر. سياحة بين العَبرة والعِبرة. وفي حضرة ابنة الحسين (ع) لا بد من استحضار كربلاء في مواقف سيد الشهداء وأخته العقيلة زينب (ع)، محطة فيها من العزة ما لا يضاهيها مكان. مقام مقصود من كل بلاد المسلمين، تراهم يتضرعون فيه بكل ألوانهم ولغاتهم، كل يدعو لقضاء حاجته.


مقام السيدة خولة (ع) وجهة السياح من العالم


ويكتسب هذا المقام أهمية كبيرة، فهو جزء أساسي من السياحة الدينية في المنطقة. مقام ببناء صار اليوم يحاكي المقامات في العراق وإيران من قبة ذهبية وبناء حديث مزخرف بالآيات المخطوطة بأنواع متعددة من الخطوط وبالمرايا والفسيفساء. وسط بناء المقام شجرة سرو معمرة ونادرة يربو عمرها على مئات السنين. يُقال إنها الوحيدة المتبقية من الشجر الذي كان يحيط بالمعابد الرومانية. وتقول رواية أخرى إن الإمام زين العابدين (ع) هو من أمر بزرعها قرب ضريح السيدة خولة للدلالة عليه.


مسجد رأس الامام الامام الحسين (ع)


العراقة أينما حللت في بعلبك، مزار آخر مهم في السياحة الدينية ومرتبط بكربلاء أيضاً. مسجد رأس الإمام الحسين (ع) كان أحد محطات الاستراحة من مسيرة السبي، تشرّف بوضع الرأس الشريف فيه فترة الاستراحة.
عبق التضرع والخشوع يرافقك في الجولة الدينية.. بعلبك حاملة التاريخ وأحداثه تعج بالكنائس التي تعود إلى القرن الأول الميلادي، والمساجد القديمة التي ترجع إلى العهد المملوكي. كما ينسحب شعور الرهبة على القبب الموزعة في المدينة: قبة السعيدين وقبة الأمجد وقبة دورس ولكل حكايتها وتاريخها.

 

إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء