الرجاء الانتظار...

 

بين الألم والأمل.. ذاكرة النصر التي لا تصدأ أبدًا

folder_openخاص access_time2017-05-25 person_pinنور الهدى صالح
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

عبروا تاريخ المجد. بواسل خطّوا النصر بدمائهم. فكان التحرير في أيار. هناك حيث سطعت نجوم الشهداء ولمعت بيارقهم لتضيء درب العزّة، وترحب بزمن الانتصار. الزمن المكلل بصمود الشعب الأبي، الذي رغم التحديات قاوم، وأثبت للعالم بأسره أنه قادر بإرادته وايمانه وصبره دحر أسطورة "الجيش الذي لا يهزم".
كثيرة هي الحكايا التي نُسجت من معاناة الشعب اللبناني أثناء فترة الاحتلال. بين الجنوب والبقاع وبيروت، أحلام تهدمت وآمال بنيت فأينعت من عبق المقاومة.. كرامة وحريّة.


ذاكرة مليئة بالألم والصبر
الألم الذي حفرته شظايا القذائف في الذاكرة قبل الجسد، ليس من السهل على اللبنانيين نسيانه. الوهلات، الصراخ، البيوت المدمرة، الدموع، أمور تستذكرها أم أحمد، المرأة المجاهدة التي لم تستسلم لذل الصهاينة، بل صبرت وفتحت بيتها عونًا للمجاهدين.
لا تنسى أم أحمد خبث العدو، والقذائف التي كانت تنهال على سكان الضاحية دون رحمة. أطفال تبكي، وأمهات تبحث عن أولادها في الشوارع بين ضباب الرماد وصوت الصواريخ. ولا تنسى الشعور المتجرد من الطمأنينة في شهر رمضان، والمرات العديدة التي عمدت "اسرائيل" فيها لاستهداف الناس أثناء موعد الإفطار. فيعرض حينها الكبار والصغار عن تناول الطعام.
 
حواجز وخطف

لازالت تتذكر أم أحمد المعاملة الجشعة للعملاء والصهاينة على الحواجز. حيث كان العدو يتربص بالناس على الطرقات، بما فيها طريق باتر-جزين بعد قطع الطريق الساحلي على الجنوبيين. "كنّا نعاني على الطريق التي كانت تأخذ يومًا كاملاً تقريبا حتى نصل من بيروت إلى الجنوب والعكس، في ظل إذلال الناس على الحواجز".. تقول أم أحمد، وتضيف: "كان خطف الشباب سائدًا، فقد سُجن العديد منهم دون أي مبرر، كما حصل مع ابن أختي الذي قضى سنة ونصف في معتقلات الصهاينة ظلمًا".
ولا تقف ذكريات أم أحمد على تلك الأليمة التي استهدفت الشعب والوطن، بل على الأحداث التي كانت بمثابة شعلة أمل لدحر العدو. حيث تحكي أم أحمد عن التفجير الذي طال مركزًا لقوات المارينز الأميركيين في ليلة من ليالي تشرين الأوّل عام 1983، والفرحة العامرة التي سكنت نفوس أبناء الضاحية لحظة سماعهم خبر مقتل أكثر من مئتي جندي هناك. بالنسبة لها "الهجوم على قوات "المارينز" أعاد الروح من جديد للشعب الذي عمد العدو إلى إذلاله لكنّه لم يستمر حتّى فشل".

بين بيروت والجنوب

لم تكن ذكريات أم أحمد في الضاحية فقط، بل في أرض الجنوب. هناك حيث كانت معاناة أخرى. "كانوا يدخلون على الناس دون استئذان يفتشون المنازل بوقاحة" وهذا ما استفز أهالي القرى ومنهم أم أحمد التي واجهتهم وتشاجرت غير مرّة مع بعض جنود الصهاينة أمام منزلها محاولة منعهم من الدخول. "إلاّ أنّ ذلك أثناهم عن التعدي على البيوت بسفاهة واعتقال الرجال ومنهم ابني وزوجي". وتتابع:"كانوا يجمعون الشباب في "البركة" وسط القرية، هناك أخذوا مرّة قرابة خمسة وثلاثين رجلاً سجنوهم ظلما وعدوانًا".

 

المقاومة تحدٍّ واستمرارية

ولا يخلو حديث أم أحمد عن المقاومة وشجاعتها في تلك الفترة، بالرغم من التحديات التي واجهها المقاومون. "الناس في ذاك الوقت لم تكن تستوعب بعد فكرة المقاومة كما اليوم،" تقول أم أحمد، وتضيف "دائمًا ما كنّا نسمع عبارات غير محفزة مثل "شو العين بدها تقاوم المخرز!" الأمر الذي صعّب مهمّة المقاومين، ولم يقتصر ذلك على القول بل على تجنب المقاومين وإبعادهم خوفًا من استهداف البيوت التي يتواجدون فيها. وهذا كان سببا بحسب أم أحمد "للجوء المجاهدين إلى النوم خارج المنازل وفي الوعور في حرّ الصيف وبقسوة الشتاء". الأمر الذي دفعها إلى تقديم منزلها مساندة لهم، ومتحدية كلام الناس عنها. وتتابع أم أحمد ممازحة "حمّلوني مسؤولية قصف الحارة قائلين لولا الحاجة مريم لما انقصفت حارتنا، ولكن كل ذلك لم يجعلني أتوانى عن مساعدة هؤلاء الرجال الشجعان".
كلام بعض أهالي القرية لم يكن وحده ما واجهته الحاجة مريم بسبب مساندة المجاهدين، بل فقدت منزلها أيضًا بتفجير شنّه الصهاينة عليه مبررين فعلهم بوجود أسلحة مخبأة فيه.  

شهداء عبّدوا طريق الحرية

لعلّ إصرار المقاومين على مواجهة العدوان هو من أهم أسباب النصر لاسيّما في ظل الظروف الصعبة التي كانت تمرّ بها المراحل الأولى للجهاد. وهذا ما تحكي عنه الحاجة ليلى التي فقدت اثنين من إخوتها شهداء خلال تلك الفترة. فاصرار أخيها الشهيد حسن جعله يواجه الضغط الخارجي الصهيوني والداخلي المتمثل بالجو العام غير المتقبل لفكرة المقاومة بعد. الأمر هذا جعل الحاجة ليلى تقدم الدعم لأخيها "الذي التحق بالخفاء بالدورات الجهادية بين عامي 1987 و1988". إلاّ أنه "كان مهتمًا ومتابعًا لأخبار المقاومة والجهاد قبل سن الثالثة عشرة". وبما أنّ أخبار القرى من الصعب تخبئتها، عُرف الشهيد حسن سليم عام 1989 مقاومًا للعلن، وارتقى في 8 كانون الثاني 1992 شهيدًا. لم يكن خبر الفراق هذا الأول على الحاجة الجريحة، التي تتحدث بغصّة عن فقدانها أيضًا أختها الصغرى فاتن في قذيفة استهدفت بيتهم في بلدة ياطر الجنوبيّة. فاتن التي كانت بدأت مشوار تكليفها ارتحلت بشظية أثناء أدائها أوّل صلاة، وبلباس أبيض حلّقت عاليًا ملاكًا بين ملائكة السماء.
الدماء التي سالت على أرضٍ أَبت أن تنحني لبطش الاحتلال، هي التي صنعت التحرير. من أم الشهداء بلدة ياطر إلى بلدات الجنوب الأبي والبقاع والوفي، والضاحية الصامدة، التي ازهرت النصر. هذا النصر الذي جعل اللبنانيين يدركون جيّدًا أن لا شيء يقف بوجه عزيمة رجال أعاروا لله جماجمهم. "وهذا ما يجعلنا نفتخر بدماء الشهداء ومنهم أخوتي، الدماء التي أثمرت عزة وكرامة، وأثبتت أن "اسرائيل" هذه الغدة السرطانية هي أوهن من بيت العنكبوت." تختم كلامها.