الرجاء الانتظار...

 

من لا يعرف الجنوب..

folder_openعيد المقاومة والتحرير access_time2017-05-25
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

 

هدى رحمة
من لا يعرف الجنوب لم يدرك معنى المقاومة، من لم يسمع بأحمد قصير وصلاح غندور لم يفقه قدسية الاستشهاد، من لم يزر "قن الدجاج" في معتقل الخيام لم يشعر بمرارة الأسر وعذاباته، من لم يمر من معبر بيت ياحون لم يذق هوان الانتظار أمام محتلي الأرض، من لم ير حانين مدمرة لم يعرف معنى التحدي، من لم يسمع بملحمة مليخ لم يعلم معنى الإيثار، من لم يشاهد صافي والرفيع لم يشعر بشموخ الجبال، من لم يسمع قصص الحجير لم يشعر بشموخ الوديان، من لم يسمع بتلال كفرشوبا لم يشعر بشموخ التلال، من لم يعرف الشهيد عبدالرسول لم يعرف معنى تواضع العظماء، من لم يسمع قصص من كانوا يفترشون التراب ويلتحفون السماء ويأكلون من عشب وشجر الجنوب، ويشربون من أنهاره وينابيعه ويسكنون كهوفه ووديانه وجباله، من سقفهم غير سماء الجنوب وطائرات الاستطلاع لم يعرف التضحية، من لم يسمع بأبي ذر وهيثم دبوق ولائحة الأبطال تطول... لم يستوعب معنى الوفاء للتراب، من لم يشاهد عمليات سجد والدبشة لم يعرف العزم، من لم يسمع عن فاطمة عبد النبي وسهى بشارة لم يدرك التحدي، من لم تكن تنقلاته بمزاجه لم يعرف الصمود، من لم ير حرقة دموع الأمهات لم يعرف الفخر، من لم يفقد قريباً أو صديقاً على الجبهة لم يعرف العز، من لم يصعد إلى الجنوب في أيار عام 2000 لم يذق حلاوة النصر، من لم يمش على طرقات الجنوب لم يستنشق المجد، من لم يحمل قبضة من تراب الجنوب لم تنتعش روحه بعبق دماء الأحرار، من لم يلمس حبات أشجار الزيتون لم يسمع تسبيحاتها، من لم ير أزهاره المتراقصة لم ير ألوان الكرامة، من لم يشاهد تمايل شتلات التبغ الدبقة لم يعرف معنى عرق الأرض، من لم يستيقظ في فجر الجنوب لم يعلم أن كل خيط من خيوط الشمس الذهبية هو طهارة للروح...


عقود من قهر العذاب عاشها الجنوبيون سنة بسنة وفصلًا بفصل ويومًا بيوم، وكل هذا بإرادتهم الصلبة. جراح الشهداء نزفت حتى الموت بإرادتهم، دماؤهم شربتها جبال ووديان الجنوب، الأمهات كانت تودع أبناءها إلى الجبهة لا إلى الخارج، كانت تحضر لهم حقيبة الشهادة وليس حقيبة السفر، أمهات الجنوب هن من كن يقضين الليل بالدعاء للمجاهدين وتعجيل النصر، هن من كن يدفن أبناءهن بدموع الحرقة والفراق، وحتماً بدموع العزة والفخر. عذابات الأسر لم يذقها غير جلد الأسرى، هم من جربوا الكهرباء والوقوف خارجاً في الجو القارس والماء البارد والساخن يتلف أجسادهم، هم من عانوا القهر النفسي، وهم من كانت أجساهم حقول تجارب لابتكارات أساليب التعذيب لدى الصهاينة. والجرحى هم من فقدوا أطرافهم، هم من مكثوا لفترات طويلة في المستشفيات، هم من قاموا من تحت الموت. صبايا الجنوب هن من جربن حرقة الوداع والغياب، هن من ودعن إخوتهن وأزواجهن على عتبة المنزل، لتستقبل كل واحدة منهن أخاها أو زوجها بعد ليالٍ طويلة شهيداً أو جريحاً أو أسيراً محرراً أو عائداً سالماً من الجبهة وبزته يملؤها التراب أو آثار دماء رفيق الجهاد. أفراح أبناء الجنوب كانت في انتصاراتهم بعد العذاب والصمود والتحدي. أطفال الجنوب هم من لعبوا والألغام تحتهم والطائرات فوقهم والرصاص حولهم، كم من طفل جنوبي وُلد ولم يحمله أبوه بين ذراعيه ويُكَبِّر بأذنيه لأن طريق الشهادة كانت أقرب. كم من طفل جنوبي لم يعرف أباه إلا من صورة معلقة على الجدار وأحاديث العائلة عن "الشهيد" ومآثره وبطولاته، كم من طفل جنوبي عاش عمره مع أبيه الشهيد من خلال صوره ووصاياه وذكرى الأهل عنه، أطفال الجنوب هم من رضعوا حليب الجهاد.


لكن، عذابات كل هؤلاء مزجت في إكسير النصر الذي أزهر على مدى الجنوب ولبنان والعالم، جهاد كل هؤلاء هو الذي جعل العملاء والجنود يفرون كالفئران من أرض كانوا يحتلونها، هذه المقاومة هي التي أركعت لأول مرة الجيش الذي "كان" لا يقهر.