الرجاء الانتظار...

للفرح حدود.. أن لا نتجاوزها

folder_openنقاط على الحروف access_time2017/07/07
starأضف إلى المفضلة

"كل شبر بندر" هكذا يربي الأهل أولادهم. يرون فيهم تحقيق الأحلام والأمنيات. وما لم يتسنَّ لهم أن يقطفوه من فم العمر، لا بالرفق ولا عنوة، يسعون لتأمينه لأبنائهم عسى أن يطيب عيشهم فيتجنبوا شقاء ماضي الآباء.
ولله در الآباء والأمهات يقترون على أنفسهم ويغدقون على الأبناء ليحصدوا من على شفاههم ابتساماتهم، ويغفلون عن أنفسهم حين يغوصون في قلوب فلذات أكبادهم خوف أن تسقط منها سهواً بسمة ما. كأنما إذا شرب الولد ارتوى الأب وإذا ضحك الولد سُمعت ضحكات قلب الأم لا يتسع لها فضاء هذا الكون.


ذلك خط الحياة التصاعدي. فيه يعتني الوالدان بأبنائهما من أولى اللحظات التي مُنِحوا فيها الحياة حتى يبلغوا أشُدَّهم، بل وأكثر. وكل الهم في أن يصير الولد ناجحاً في مجتمعه، متأقلماً معه، قوياً في الصعاب، حكيماً في الشدة. ويرسم لذلك الأهل خطاً تصاعدياً للعمر والأفراح والنجاحات والإنجازات. وعلى هذا الخط محطات كثيرة تحكي أول ضحكة أول كلمة أول خطوة أول فرحة أول نجاح أول هدية... وكلما كبر رقم السنين كبرت كل الأرقام معه.
ولا يخطر في البال يوماً أن نقطة ما من هذا الخط قد تكون هي نقطة العودة إلى الوراء، نقطة تحويل هذا الخط التصاعدي إلى تنازلي.
كل الآباء يفرحون لنجاح أبنائهم في الشهادات. كل الآباء يفرحون عندما يتخرج أبناؤهم من الجامعات. كل الآباء يفرحون حين يجد أبناؤهم عملاً لائقاً. كل الآباء يفرحون لزفاف أبنائهم. كل الآباء كذلك. وكلهم يعبرون عن فرحهم وكلٌّ حر في التعبير عن فرحه بما يناسبه.
لكن مناسبة فرح أحدهم يحولها البعض إلى مناسبات حزن للآخرين. هذا الخط التصاعدي الذي يرسمونه لأبنائهم يحولونه  -بسهولة كما نرى هذه الأيام- إلى خط تنازلي لحياة أبناء آخرين، ينتهي النبض فيه بخط مستقيم.
من أعطاهم الحق في أن ينهوا عمراً وردياً ما. من قال إن المبتهج يحق له أن يشعل حرب ابتهاجه في أجواء المسالمين، فلا يستطيع لا الصغير ولا الكبير أن يميز هذا الابتهاج عن حرب حقيقية مندلعة.
تأكل الحرب قلوباً ويأكل رصاصها أطفالاً ومسنين. تخلف آثارَها في المنازل والمقتنيات وفي النفوس. كذلك بات يفعل الابتهاج. لا يكتفي المبتهج بعزومة للأقارب والأصدقاء، سيطلق الرصاص. لا يكتفي بصخب الموسيقى تنخر أسماع أهل الحي، سيطلق الرصاص أيضاً. ولا تظنن أن جميع المبتهجين سواء، فالفرح "مقامات".. البعض لا يقيم لرصاص المسدس أو الرشاش وزناً ولا قيمة، وابتهاجه أرفع شأناً فيستأهل استخدام "الدوشكا" أو  إطلاق القنابل أو  استخدام "آر بي جي". هنا لا نترك لخيالنا معرفة ما سيجري بعد استخدام هذه الأسلحة، بل إن المبتهجين أرونا ذلك بأم أعيننا، ففرحوا بشهادات أبنائهم وأعطوا آخرين شهادات الوفاة. فيما مضى كانت النساء عند كل فرحة تطلق زغاريدها. يبدو اليوم أن زغاريد النساء استبدلت بزغاريد النار تُفرح قلباً وتكسر آخر. وليس دون ذلك خط أحمر.


عندما يصل الأهل إلى هذه الطريقة في التعبير عن الفرح، فهم قد نسفوا كل ما عملوه من أجل أبنائهم. بأي وجه سيقابل الوالد القاتل –ولو عن غير قصد-  ولده؟ عن أي مفاهيم سيحدثه بعدها؟ عن الحكمة في التصرف! عن احترام الآخرين وحرياتهم!  أم عن أهمية الحياة المشتركة والتعاون ! أم عن الأخلاق؟!
تلك مفردات تعلمها الصغار من كتاب التربية المدنية في زاوية  تسمى "قولنا والعمل" ثم حفظوها. آن أن يكون القول مقروناً بالعمل، وأن لا يذهب جهد أعوام من الآباء تجاه أبنائهم بلذة تمنحها  ضغطة على زناد - إن كان في ذلك لذة. آن نرسم إلى جانب الخط التصاعدي لحياة أبنائنا خطوطاً ممنوعة التجاوز لتصرفاتنا، خطوطاً تحفظ حياة أبنائنا وحيوات أبناء الآخرين. آن أن نكون مسؤولين وأن نوقف هدر الدم، لتكون تلك النذور التي نذرناها، ليكبر أطفالنا شبراً، مقبولة.

 

التعليقات