Al Ahed News

... وعاد مستشهدا

لبنان



ايمان مصطفى

في حضرة الاشتياق للشهداء نقلب في صفحات العمر، فتمضي عقارب الساعة متثاقلة، يمر علينا غيابهم بثقل، ولكن العنفوان الذي تركته لنا شهادتهم جعل للحياة معنى وهدفاً.

في كل مرة يحاول المرء الكتابة عن الشهداء يخترقه شعور غريب مرة من الأسى وأخرى من الاعتزاز. شعور يجمع التناقض: الألم والفرح، ويجف الحبر ولا تختزن الأوراق وصفهم.

وفي كل نظرة إلى عوائلهم، نخجل أمام عظمتهم، ورهافة شعورهم في لحظة عروج أرواح أحبائهم.

ذلك الشعور القاسي، الناعم الملمس، يجعلك تشعر بالحبيب وهو لايسمعك، تراه وهو ليس امامك، فتجد نفسك فجأة في معركة المشاعر، لا تعلم كيف دخلت تلك المعركة، فتصبح ترى بقلبك وليس بعينيك وتشعر بأنه رحل شهيدا من دون سؤال.

ولنعيش ذلك الأحساس بكل تفاصيله، كان لموقع "العهد " الاخباري وقفة مع عوائل الشهداء لنروي بلسان حالهم  ذلك الاحساس المرهف الذي يقتحم لحظات الصمت، فيجعلهم يشعرون بالخفقات ويسمعون دقات القلب الذي يعلمهم أن عزيزهم قد ارتقى شهيداً بكل افتخار.

آية شحادة خطيبة الشهيد عباس علامة (حيدرة) تروي قصة وفاء

تقول آية لموقعنا "كانت ساعة الحائط تشير إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أيقظني قلقي، وقلبي ما زال معلقًا عند الساعة التي وصلتني فيها آخر رسالة منه .. أي بتمام الساعة العاشرة والنصف ليلًا. داهمتني الافكار والتساؤلات، استعذت بالشيطان وغرقت في نومي . هذه المرة استيقظت عند الساعة الرابعة فجراً وقلبي ما زال يخفق ألمًا، موعدي مع صلاة الفجر كان مختلفًا هذه المرة، كان ممزوجًا برائحة وطعم الشهادة"، هكذا أحست آية أن شيئاً ما قد حصل.

"حاولت تكذيب إحساسي، وتمنيت أن يعود سالمًا وأنا أعلم أنني أخادع نفسي، وقلبي يحدثني أنه استشهد، أرسلت له رسالة وبين الغفلة واليقظة رأيته ممدداً في نعشه، وراودتني رؤيا أخرى، كأنه يحدق في عيني مبتسمًا ويودعني ويخبرني أن اللقاء الاخير قد حان، لكنني حاولت تكذيب احساسي وإقناع نفسي أنه عائد، ولكن.. كانت الرؤيا بحق هي اللقاء الأخير حيث استيقظت على نبأ استشهاده صباحاً".

كلمات خطيبة الشهيد عباس علامة تحمل في طياتها نبض قلبين تعاهدا يومًا على خوض غمار الحياة سوية. وهكذا يستمر الوفاء، شهيد مضى ليدافع عن وطنه وأهله، وفتاة لم تنسه تجلس باستمرار أمام ضريحه تحمل الورد بين كفيها وتستذكر بعض ما في الحياة.

الشهيد عباس علامة (حيدرة)

أم مهدي والدة الشهيد مهدي عبد الله إدريس (أبو صالح) قصة حب لا تنتهي

للأم قصة مختلفة، دائماً يفيض قلبها بالحنان الذي لا ينتهي. والصبر على الفراق الأليم لا يأتي الا من الرب الجليل. ولوالدة الشهيد مهدي إدريس، قصتها التي نسجها عبق شهادة ابنها. تقول الوالدة الكريمة "لقد عاد لي ابني جريحًا في حالة حرجة، فصار الانتظار رفيقي في الليالي الطوال. أجلس امام غرفة العناية في المستشفى لعل أملاً ما يحييني. انتظرت لحظة ولادته من جديد. في كل دقيقة انتظار تُرمى ورقة من كتاب الصبر والذكريات، كنت أسال نفسي هل ستنتهي تلك الوريقات يومًا؟  فوجدت الاجابة في كتاب الصبر من رواية كربلاء التي لا تنفد أوراقها. كان صبري ممزوجًا بالعزة والكرامة".  

القرآن الكريم، أساس صبرها، وهي كانت قد بدأت في ختمية للقرآن أهدتها لنصرة شباب المقاومة. غريبة كانت تلك اللحظة تقول، "فتحت القرآن لاكمل الختمية، وقعت عيني على آية " مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا"، وخفق قلبي خفقة فطرت حشاشته، علمت أن روح ولدي عرجت الى بارئها وكرمني الله بلقب أم الشهيد، وفعلا وصلني الخبر، وكان احساسي اخبرني واعلمني قبل أي احد انني قدمت فلذة كبدي لله قائلة إلهي خذ حتى ترضى، وكأنني رأيته نصب عيني وسألته إن اوجعته الرصاصة، وكأنه ابتسم قائلا كانت بردا وسلاما".

والدة الشهيد تحاكي شهيدها بفخر، تترضى عليه دونما توقف، تشتاقه، وأي شوق أجمل؟

الشهيد مهدي إدريس (أبو صالح)

زينب كركي أخت الشهيد حسين علي كركي (أبو الفضل)..دروس الصبر من كربلاء الحسين إلى شهداء المقاومة

دائما ما تحمل الأخت مشاعر مفعمة بالحنان والخوف على أخيها، فهو رفيق دربها وحاميها، وحلمها الذي كبرت برفقته وترعرعت إلى جانبه. تقول زينب، التي تروي قصة صبر طويلة تعلمتها من أيقونة الصبر في كربلاء السيدة زينب "ع"، "تلك الليلة كانت الاكثر وجعاً .. دائمًا ما كنت أقلق وأفكر وأخاف الفقد، ليلتها أحسست أنه فارقني كأن روحي أعلمتني بنبأ استشهاده. لست حزينة أو خائفة، أنا أحاول اكتشاف ذلك الشعور الممزوج بالفخر والاشتياق. لم يترك لنا رسالة قبل الرحيل كعادة المسافرين، بل سافر تاركًا داخلي فراغًا وعزة بنفس الوقت".

في وجه زينب ألف سؤال وألف غصة.  كلما مررت يدها فوق صورته تشعر أنها تلمسه، تشعر بدفئه، وتحمد الله على هذه النعمة.

الشهيد حسين كركي (أبو الفضل)

ما سر هذا الاحساس الذي يُعلمهن بموعد الرحيل؟ ما سر اللمعة في عيونهن عند الحديث؟ هل بريق دموع أم لهيب إشتياق أم شرراة عزة وفخر؟ سلام الله على قلوبهن الزينبية .

الشهيدعوائل الشهداء
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء