Al Ahed News

’العرض’ الكوري الشمالي بين اميركا والصين وروسيا

مواقف وآراء

صوفيا ـ جورج حداد


بالرغم من كل الاحتجاجات التي تتلقاها كوريا الشمالية (جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية) والمقاطعة الدولية والحصار والعقوبات الاقتصادية لها والتي جعلتها من افقر دول العالم، وبالرغم من التهديدات العسكرية التي تتلقاها من الولايات المتحدة الاميركية ومن اليابان، فإنها تكرس كل امكانياتها السياسية والاقتصادية والمالية والعلمية لاجل تنفيذ برنامجها للتسلح النووي والصاروخي.


كوريا الشمالية تعتمد كليا على الصين في قدرتها على الحياة

وقد نجحت حتى الآن في صنع الصواريخ قريبة المدى (اقل من 200 كلم) ومتوسطة المدى (اقل من 700 كلم) والصواريخ الباليستية التي يصل مداها حتى 8 آلاف كلم. وهي تكثف جهودها لصنع الصواريخ بعيدة المدى التي تزيد عن 10 آلاف كلم، اي التي يمكن ان تصل الى الاراضي الاميركية ذاتها. ولا حاجة للتذكير ان كل الصواريخ الكورية الشمالية هي معدّة كي تحمل الرؤوس النووية. وتعدد مديات الصواريخ له علاقة بنوعية الوقود الصاروخي وتخصيص الصواريخ حسب بنك الاهداف المحددة ومدى قربها من الارض الكورية وبعدها عنها. ويستفاد من هذه اللوحة الصاروخية ان كوريا الجنوبية واليابان (غير النوويتين) ستسحقان منذ اللحظات الاولى للحرب اذا اندلعت لا سمح الله؛ وستسحق ايضا جميع حاملات الطائرات العملاقة وجميع القواعد العسكرية الاميركية في الشرق الاقصى والشرق الادنى. ولم يبق امام كوريا الشمالية سوى الوصول الى الاراضي الاميركية وهو ما تسعى بشكل محموم لتحقيقه.
اما على مستوى الحرب الكلاسيكية فإن النظام الكوري الشمالي حوّل البلاد الى معسكر كبير، وتستطيع كوريا الشمالية في غضون ساعات ان تجند جيشا هائلا تعداده اكثر من 5،4 ملايين جندي نظامي (رجالا ونساء، بما في ذلك الاحتياط) واكثر من عشرة ملايين من المتطوعين والمتطوعات لحرب العصابات الشعبية، والمسلحين بالاسلحة الخفيفة الفردية والقنابل اليدوية والالغام والسلاح الابيض. وليس لهذه الجيوش المليونية مشكلة تموينية لان الكوريين الشماليين "ادمنوا" على الجوع، وحفنة من الارز يحملها المقاتل ويقوم بسلقها على دفعات تكفيه اسبوعا واكثر.
وان كل الدلائل تشير الى ان القيادة الكورية الشمالية مصممة على استخدام السلاح الصاروخي ـ النووي منذ الدقائق الاولى للحرب. ولكن حتى على مستوى الحرب الكلاسيكية بالاسلحة غير النووية، فإن الجيوش الاميركية واليابانية والكورية الجنوبية مجتمعة غير قادرة على تحقيق النصر على الكوريين الشماليين.


احتجاج بيونغ يانغ على بكين اشبه ما يكون بتمثيلية


وهذه الوقائع العسكرية، النووية وغير النووية، تعرفها تماما القيادات العسكرية الاميركية واليابانية والكورية الجنوبية. وهذا ما يدفع اميركا وحلفاءها على النطاق العالمي بأسره الى التعامل مع كوريا الشمالية بصبر واناة لتجنب اندلاع الحرب معها. وتحاول اميركا وحلفاؤها بواسطة حشد القوة العسكرية او بالقوة الناعمة (الدبلوماسية) الضغط على الصين خاصة، لاستمالتها لاجل استخدام نفوذها للضغط على كوريا من اجل التفاهم معها.
في هذا الوضع المعقد ومنذ فترة وجيزة احتجت كوريا الشمالية على الصين، متهمة اياها بالتواطؤ مع الولايات المتحدة الاميركية لزيادة الضغط على بيونغ يانغ لاجل وقف برنامجها النووي ـ الصاروخي. ورأى البعض في ذلك علامة على تمرد "الرفاق" الكوريين الشماليين على "الرفاق" الصينيين. واذا كان الامر هو كذلك فعلا، فهذا يعني ان الوضع المتعلق بالمعضلة الصاروخية ـ النووية الكورية الشمالية اصبح اكثر إرباكا وتعقيدا.
ولكن في الواقع انه ولاول مرة منذ سنوات طويلة يتم توجيه انتقاد لبكين من قبل قيادة جمهورية كوريا الدمقراطية الشعبية، ويبدو ذلك اقرب لأن يكون مسرحية ذكية تقوم بها بكين.
فاحتجاج بيونغ يانغ على بكين هو اشبه باحتجاج برلين على سياسة اميركا. وهذا اشبه ما يكون بتمثيلية، او خدعة سياسية، الهدف منها ان تظهر على المسرح "استقلالية" الشريك الاصغر للصين.
ان كوريا الشمالية تعتمد كليا على الصين في قدرتها على الحياة، وهي اشبه باقليم كبير ذي استقلال ذاتي تابع للصين. وليس من الخطأ الاعتبار انه حتى السلاح النووي الكوري الشمالي هو سلاح صيني. واذا كان هذا الافتراض صحيحا، فهذا يعني ان الاستراتيجيين الصينيين نجحوا  في امتلاك ترسانتين نوويتين منفصلتين "قانونيا" وشكليا. فامتلاك السلاح النووي من قبل الصين يؤمن لها مقعدا من ضمن الخمسة الكبار في مجلس الامن للامم المتحدة. وبهذه الصفة فهي تلتزم، من جهة، بالعمل لتطبيق السياسة الدولية لمنع انتشار الاسلحة النووية من قبل الدول الاخرى، ومن جهة ثانية يبدو ظاهريا انه لا علاقة لها بالترسانة الصاروخية ـ النووية لكوريا الشمالية، وهي غير مسؤولة عن السياسة "العدوانية!" لبيونغ يانغ. وتصطف الصين الى جانب اميركا والوكالة الدولية للطاقة النووية وهيئة الامم المتحدة في الضغط على بيونغ يانغ للالتزام بالقرارات الدولية. والواقع ان السلاح الصاروخي ـ النووي الكوري الشمالي لا يمكن "ان يوجد" "وان يستمر ويتطور" بدون الموافقة الضمنية من قبل الصين، لسبب بسيط هو انها كدولة عظمى لا يمكن ان تسمح بأن توجد "في خاصرتها" (بالمعنى الحرفي للكلمة) دولة نووية خارجة عن ارادتها.
ان وجود هذه الترسانة النووية "الغريبة" (بالنسبة للصين) هو ضروري لها من اجل متابعة "اللعبة" مع الولايات المتحدة الاميركية.
فبوجود البرنامج النووي الكوري الشمالي، حصلت بكين على مبتغاها في التحول الى الشريك الذي يمتلك الاولوية في الحوار مع الولايات المتحدة الاميركية.


تقف الصين الى جانب اميركا في الضغط على بيونغ يانغ للالتزام بالقرارات الدولية


ذلك ان الولايات المتحدة الاميركية اتخذت من كوريا الشمالية وبرنامجها النووي ذريعة ممتازة لتدعيم حضورها في الاجزاء الشمالية الغربية من المحيط الهادي، حيث نشرت هناك نظام الدرع الصاروخية، ودعمت اليابان، وارسلت الى هناك حاملات الطائرات وطواقمها البحرية. ويدخل هذا كله ضمن اللعبة الستراتيجية ليس مع بيونغ يانغ، بل مع بكين.
والصين من جهتها تدخل في اللعبة بكل "طيبة خاطر". وقد عمدت الى تنمية حضورها العسكري في المنطقة، وحتى الى موضعة قواعد الصواريخ الباليستية الصينية بالقرب من الحدود الروسية، من اجل اشراك روسيا ايضا في اللعبة الدائرة في الشرق الاقصى. ونذكر هنا ان الصين وقعت اتفاقات لشراء اسلحة روسية بعشرات مليارات الدولارات، ووقعت اتفاقات اخرى لتوظيف عشرات مليارات اخرى في صناعة الاسلحة الروسية المتطورة. كما نذكر تكرار المناورات العسكرية الضخمة المشتركة الروسية ـ الصينية، التي جرت في بحر الصين الجنوبي وبحر اوخوتسك، وذلك باشراف الرئيسين الروسي والصيني شخصيا الى جانب وزراء الدفاع والبحرية والطيران الحربي ..الخ، لكلا البلدين. وقد شاركت في هذه المناورات جيوش بأكملها ومئات القطع الحربية البرية والبرمائية والبحرية والجوية والصاروخية، بما فيها الغواصات ذات الوقود النووي، والمخصصة لحمل الصواريخ النووية البالستية والطوربيدات النووية المخصصة لتدمير حاملات الطائرات، والصواريخ المجنحة النووية المخصصة لاختراق الدرع الصاروخية الاميركية، وغير الاميركية اذا وجدت.


الصين وقعت اتفاقات لشراء اسلحة روسية بعشرات مليارات الدولارات


لقد أعطيت الرسائل لاميركا وحلفائها كي يفهموا، اذا كانوا قادرين ان يفهموا، ان نظام كوريا الشمالية وبرنامجه الصاروخي ـ النووي ليس الا رأس جبل الجليد المتمثل في المحور العسكري الصاروخي ـ النووي والشامل، لروسيا والصين. وأغلبية دول العالم، وبالاخص اغلبية شعوب العالم تقف الى جانب هذا المحور. وفي حال وقوع اي صدام جدي، لا قدّر الله، فإن دولا مارقة بأسرها ستمحى من الوجود في الساعات الاولى للصدام.
وفي ما عدا ذلك فإن رجل البيزنيس دونالد ترامب يستطيع ان يجد في الزعيم الكوري الشمالي الشاب، غريب الاطوار، شريكا ملائما وممثلا بارعا لاجراء "شوو" ناجح جدا على مسرح برودواي او غيره. وسيعلو التصفيق لترامب وشريكه، اولا في كل من بكين وموسكو.

 

 

روسياكوريا الشماليةالصينامريكا
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء