الرجاء الانتظار...

من الجنادرية إلى جامعة القاهرة

folder_openتحليلات و مواقف access_time2017-08-03
starأضف إلى المفضلة

أحمد فؤاد

في لحظات التحدي الوطني الكبرى، كانت الأمّة المصرية تخلق من مؤسساتها متاريس تقيها التمزق أمام العدوان، كانت تنفخ من روح الحضارة الحية داخل أرواح أناسها إلى بنايات وأشخاص وأمكنة، لتواجه العواصف كأقوى ما يكون.


الأزهر الذي مثل تاريخيًا حصن مصر، المحافظ على قلبها النابض، تحوّل بفعل التطور المذهل في بدايات القرن الماضي إلى جامعة القاهرة، التي اتخذت الشعار المصري القديم، كحصن وأمل ومنارة علم لمواجهة تحديات الاستقلال والخروج من ربقة التبعية والاحتلال البريطاني، وكان شرارة ضد حكم أسرة محمد علي، ومنها خرجت أولى المظاهرات التي هتفت –ضمن ما هتفت- ضد فاروق وحكمه.
وحين تعكرت مياه النهر المصري، منتصف السبعينيات، مع توقيع السادات على معاهدة العار "كامب ديفيد"، صارت الجماعة مرمى لسهام مسمومة، أيقنت أن تفريغها من روحها هو أول طريق احتلال مصر الناعم، بداية هلاك الأمّة كلها من الجامعة وليس غيرها.
 كانت الجامعة العريقة هدفًا أوليًا ومطلوبًا، كان الوعي المصري على وشك أن يسقط نهائيًا أمام الأموال السعودية التي تدفقت تكمل كامب ديفيد وتفعل ما لا يستطيع الكيان الصهيوني وأميركا أن تفعلانه علناً، وشوهدت الجنازير والأسلحة البيضاء في معقل العلم، بغطاء أمني سافر.
دخلت التيارات الوهابية إلى مصر من بوابة جامعة القاهرة قبل غيرها، محمولة على محفة أمن الدولة سيء السمعة، كان التنسيق على أشده بين مباحث أمن الدولة وتيارات الإرهاب الديني، خارج الأسوار كانت عصى الأمن حاضرة، وداخلها تكفلت "المطاوي والجنازير" بمهمة تدجين الروح الثائرة.
لكن السعودية ورغم عمق تحالفها مع أنظمة كامب ديفيد، لم تتمكن على الإطلاق من التواجد بكل هذا الفُجر في الشارع المصري، إلا اليوم، فقد جاء رئيس جامعة القاهرة الجديدة من مهرجان الجنادرية، محمد عثمان الخشت ليس مرشحًا سعوديًا، لكنه مندوب آل سعود في الجامعة العريقة ورئيسها الجديد المعين.
من باب فلسفة الدين لمع نجم "الخشت" وسط مجموعات لا تهتم إلا بالتمويل وسخاء مقدميه، لم يضبط رئيس الجامعة الجديد ببحث واحد أفاد المجتمع الباحث عن حل وعن دور، قدم الثقافة الملتبسة، التي لا تعني مجتمعًا تواقًا لجديد، بل بحث في كهوف الماضي ليخرج بعلم سرابي، هذا إن استحق لقب علم أصلًا.
تحولت جامعة القاهرة، في "عصر الكامب" الحزين، من الرهان الباقي لنشر الفكر والنور للمجتمع، العامل الأول للتقدم والتنمية، التنمية الحقيقية، إلى تسخير كل طاقتها في رد مصر إلى غيبوبة حضارية سوداء، وساهمت كوادر "ممولة ومدفوعة" في تحويل الهم العلمي إلى الخرافة والغيبيات.
التعيين الجديد القادم من مهرجان الجنادرية إلى كرسي رئاسة الجامعة الأعرق في المنطقة، يلخص بعمق بالغ وبساطة متناهية، الحضيض الذي بلغناه، وصلنا لمنتهى مشوار السقوط الكامل، الوطن صار مقسمًا بين أقلية تحكم باسم سلمان ويشملها بالرضا والعطايا، عن طريق سفيره أو مندوبه السامي، وأغلبية تنطوي بنار القهر والحزن.
الوطن ليس مكانًا دائمًا للمعاناة، والأخطر في كل تصرفات نظم كامب ديفيد وخدمها، تحويل المجتمع إلى كيانات متصارعة، وهو ما ينذر بحريق قلب الوطن ذاته، في غياب وعي يمكنه أن يحصر آثار صراع واقع حتمًا.

(*) صحافي مصري

 

التعليقات

التعليقات

حسن سالم

مقال رائع