Al Ahed News

خصخصة العظام

نقاط على الحروف

أحمد فؤاد


قرر النظام المصري خوض معركة مفتوحة، وحتى النهاية، لبيع كل –وأي- ما يمكن اعتباره مصدر قوة للدولة المصرية. تُقدم الحكومة على خطة جديدة لبيع أهم الشركات العامة الباقية، وهي قليلة، سعيًا وراء وهم الاستثمار الأجنبي، وهو ما يصوره شياطين واشنطن، على أنه النجاح الأعظم للاقتصاد المصري.
التعويم ومن بعده الإعلان عن بيع شركات عامة في قطاعات البترول والكهرباء لم يثر شهية المستثمرين الأجانب على الإطلاق، وأرقام البنك المركزي المصري تكشف بجلاء يصفع الأعمى أن ثلثي الزيادة المعلنة في الاستثمارات الأجنبية كانت ضخ دولارات من شركات البترول الإيطالية والبريطانية، وهو ما تسترده الشركات آجلًا، وتقاسم الدولة في عائدات البترول أو الغاز. علاوة على ذلك لم يتم افتتاح مصنع واحد بطول مصر وعرضها من الاستثمارات المفترضة.
جذب الاستثمارات الأجنبية هدف هلامي يلازم كل حكومة مصرية منذ انفتاح السادات، الذي كان الخطوة والشرط لتوقيع كامب ديفيد، وسعيًا وراء شهادات النجاح الممهورة بأختام مؤسسات السيطرة والاحتلال الدولي الحديث، أمريكية الصنع صهيونية الهوى والهوية.
كان اعتماد السادات وحلفائه الصهاينة سياسة الخطوة خطوة وسيلة لتحقيق الانسحاب المنقوص من سيناء. والقراءة الواعية بعد مضي السنوات تقول إنها لم تكن خطوات سياسية، بل كانت خطوة اقتصادية من السادات تقابلها خطوة صهيونية مقابلة، إلى أن تحقق الانسحاب، الذي قيل إنه كامل، فاكتشفنا أن الصهاينة انسحبوا تقدمًا من سيناء إلى القاهرة!!


وفي قراءة إحباطات الماضي فتحًا لرؤية أوسع لسوء المصير المنتظر، فالشعوب ما هي إلا جماعة بشرية، وبمقدور من يسيطر على مقدرات حياتها وإنتاجها أن يحدد طريقها.
لقد كانت الاستعانة بالوهابية النجدية الخطوة الفارقة في مسيرة السادات، لقتل مشروع ثورة 1952 تمامًا، وترسيخ الانفصال النفسي بين مصر ومحيطها العربي، بعد أن تكفل الوجود الصهيوني بين مصر والشام في تحقيق القطيعة الجغرافية.
في 17 يناير 1977، وقف الدكتور عبد المنعم القيسوني، نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية آنذاك، أمام مجلس الشعب، معلنًا اتخاذ إجراءات تقشفية لضبط الموازنة العامة، وضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة.
نفس ما قاله "القيسوني" يقوله كل يوم شريف إسماعيل رئيس وزراء مصر الحالي، وقاله سابقًا أحمد نظيف، عاطف عبيد، والقائمة تطول لأمثلة رؤساء الوزراء الذين يعملون كمستشارين للبنك والصندوق الدوليين في الحكومة المصرية، والإجراءات ذاتها يتم اعتمادها في مواجهة الرأي العام، مثل المباحثات والشروط السرية، التي يسربها الإعلام الأجنبي، ويفاجأ بها المصري أمرًا واقعًا لا راد له.


يقينًا لم تنزلق أمّة من الأمم إلى ما شهدته مصر من تآمر الأنظمة وغدر النخب واتساع رقعة المؤامرة إلى هذا الحد المذهل، عبر إحداث "ثورة إلى الأسفل" في المجتمع المصري، وتفتيت قواه، وقتل وسجن من رفع صوته مجاهرًا بالاعتراض شارحًا الخطر، إلا في عهد السادات وخلفائه متكئين على كامب ديفيد بما توفر لها من دعم غربي ومال سعودي.
وفي استكمال شروط كامب ديفيد وأهدافها يسير النظام المصري حاليًا، محطمًا هوامش الفعل الإنساني في مصر، التي رغبت في مجتمع يتقدم بمخاصمة الطريق الأمريكي، رغبة لخصتها استعانة السيسي نفسه بخطاب إعلامي زعم مواجهة افتراضية بين طائرات مصرية والأسطول الأمريكي السادس، وجاء رد الفعل المصري عفويًا بالمزيد من الاحتشاد خلف المرشح للرئاسة.
ادرك المرشح كيف يستميل البسطاء، لكنه ربما رأى ولَم يدرك مآلات المتلاعبين بهم.

(*) صحافي مصري

مصر
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء