Al Ahed News

ماذا لو بدلت تركيا اسم ’جبهة تحرير الشام’ باسم ’الجيش الحر’؟

خاص العهد

شارل أبي نادر - عميد متقاعد


 

لا شك أن ما يدور في الشمال السوري حاليا، وتحديدا في إدلب، وما يُحضّر لها في متابعات واجتماعات القادة السياسيين والعسكريين للكثير من الدول، وخاصة روسيا وايران وتركيا، بشكل علني، او الولايات المتحدة الاميركية بشكل خفي وملتبس، يدعو للاهتمام والرصد، سيما وان محور التركيز الآن هو لفرض مفهوم واتفاق خفض التصعيد على منطقة ادلب بالكامل.
مقارنة مع مناطق خفض التصعيد الأخرى في سوريا، تعتبر ادلب المنطقة الأهم فيما تحضنه من مجموعات مسلحة، من تلك التي كانت بالأساس تتمركز في إدلب، او من تلك التي رفضت التسويات مع الجيش العربي السوري في مناطق أخرى، وانسحبت بالباصات الخضراء المشهورة، واختارت بداية باغلبها القتال انطلاقا من إدلب، لتنتهي بسلوك بعضها باتفاق خفض التصعيد، مع ثبات "جبهة تحرير الشام" وبعض المحلقين بها، على معارضة الاتفاق واختيارها القتال بعيدا عن التفاوض والتسويات.

الجيش التركي
الجيش التركي


صحيح ان تركيا تعتبر لاعبا اساسيا في مشروع خفض التصعيد وبالأخص في ادلب، وذلك لعدة أسباب معروفة، ولكن في الواقع، من الصعوبة بمكان معرفة ما موقف تركيا من "جبهة تحرير الشام" بالتحديد، هل هي في نظرها مجموعة ارهابية تبعا للنظرة الدولية ما يستدعي محاصرتها ومهاجمتها وفرض انصياعها للاتفاق بالقوة، ام أنها ما زالت (تركيا) تعتبر "النصرة" المجموعة الاكثر فائدة لها، والتي تستطيع من خلال استيعابها ورعايتها بالخفاء مع التظاهر بعدائها لها، ان تستغل موقعها كجبهة قوية واسعة تحضن عشرات آلاف المسلحين الشرسين، والملتزمين بالقتال حتى النهاية ضد الدولة والجيش في سوريا؟
في الظاهر، تبدو تركيا منخرطة بمواجهة "جبهة تحرير الشام" بفعالية، وتصاريح الرئيس التركي الأخيرة تدل على أنه مصمم على سحقها، وهو أمر بحشد قدرات واسعة من العديد والعتاد والآليات من الجيش التركي على الحدود مع تغطية إعلامية واسعة ومفصلة لهذه الحشود، والتي تجاوزت في أمكنة حدودية معينة الأراضي السورية، مثلا في جنوب الريحانة التابعة لـ"هطاي" التركية شمال اطمة وسرمدا السوريتين، او في جنوب كيلس في الشمال من عفرين، كما ان تهديده الصريح علنا لـ"جبهة تحرير الشام" بانها ستتعرض للاستهداف المباشر من القاذفات الروسية، كل ذلك يوحي بانه يضغط على ارهابيي النصرة للانصياع، ولكن...

في الحقيقة، لا يخرج هذا الضغط التركي الإعلامي والتهويل بالقوة العسكرية المتدخلة وباستعمالها، عن المزايدة الفعلية للايحاء للشركاء الجدد، الروس والايرانيين، بالتزام تركيا بفرض الاتفاق على "جبهة تحرير الشام" بالقوة، وحتى الآن، وبالرغم من مرور أيام على تمركز الحشود التركية العسكرية على الحدود مع سوريا وفي داخلها بأمكنة معينة، لم يشهد الميدان اي اشتباك مباشر او اي عملية عسكرية توحي، وبالحد الأدنى، عن نية صحيحة للاشتباك مع الارهابيين المذكورين، وما يؤكد ذلك ويجعل الاستنتاج والتحليل يذهب في هذا الاتجاه، أي بأن الاتراك غير جديين في مواجهة "جبهة تحرير الشام" في ادلب هو الوقائع الميدانية والعسكرية التالية:

ـ بمراجعة دقيقة بعض الشيء لميدان انتشار "جبهة تحرير الشام" في محافظة ادلب، خاصة بعد ان فُصل هذا الميدان بشكل محدد تقريبا بين الجبهة المذكورة وبين المجموعات الأخرى التي سلكت بالاتفاق، يمكن تحديد هذا الانتشار لـ"جبهة تحرير الشام" بقطاع يمتد بشكل طولي بين الحدود التركية شمالا في أطمة وسرمدا وسلقين في شمال شرق ادلب، وبين تخوم ريف ادلب الجنوبي والمتداخل مع ريف حماه الشمالي في خان شيخون، مرورا بمدينة ادلب وجبل الزاوية ومعرة النعمان، مع بعض التواجد المتواضع في منطقة جسر الشغور شمال غرب ادلب وحريتان وكفرحمرة في ريف حلب الشمالي.

هذا الانتشار المحدد اعلاه لـ"جبهة تحرير الشام"، والذي يمكن فصله وبسهولة الى قسمين غير مترابطين، من خلال تنفيذ عملية دخول وانتشار من الاراضي التركية عبر معبر و مدينة جسر الشغور وامتدادا على الاوتوستراد الدولي اللاذقية ـ حلب بين مدينة اريحا جنوب مدينة ادلب وحتى سراقب ثم امتدادا باتجاه ريف حلب الغربي، وهذا الدخول والانتشار يؤمن فصلًا لأماكن تواجد "النصرة" الى قسمين دون الاشتباك والمواجهة مع عناصرها إلا في مدينة سراقب، الأمر الذي ابتعدت عنه الوحدات التركية، والتي اختارت تحضير الدخول شمالا باتجاه دارة عزة على تخوم عفرين، وطبعا عينها على عفرين من خلال محاصرتها من الجنوب بين دارة عزة وأطمة.

طبعا يعلم الأتراك وخاصة العسكريون منهم، أن التحضير الجدي للدخول الى إدلب ومواجهة "النصرة" لن يكون منتجا من الناحية العسكرية والميدانية اذا اقتصر على الدخول المتواضع شمال شرق ادلب جنوب عفرين، في الوقت الذي يفرض الميدان والمناورة الانسب الدخول من جسر الشغور ومسك اوتوستراد اللاذقية ـ حلب في سراقب وعزل مجوعات النصرة و فك ارتباطها مع بعضها كمرحلة اولى، والعمل في المرحلة الثانية على الضغط عليها للانصياع، أو تنفيذ مناورة قتالية مركبة (أمنية - عسكرية) في حال عدم الانصياع .

من هنا، ومن خلال غض الطرف عن تحضير المناورة الانسب ميدانيا وعسكريا، لا يبدو ان تركيا جادة في مواجهة "جبهة تحرير الشام" في ادلب عسكريا، والاغلب انها، ومن خلال ارتباطها السابق معها، والحالي ربما، تناور في الاعلام وفي السياسة وفي القمم مع رؤساء روسيا وايران، وفي الميدان عبر نشر الصور والافلام بالمئات عن تحركاتها الحدودية، ومن خلال تواصل خفي وجاد ومركز، تتفاوض معها لكي تُدخلها بالاتفاق، مُجنِّبة اياها تداعيات فرضه بالقوة، ومُؤمِّنة لها مستقبلا مقبولا مع المجموعات المسلحة الاخرى، ولم يبقَ من هذه المناورة الخفية معها الا اقتناع "جبهة تحرير الشام" بنزع اسمها الحالي عنها والقبول باسم آخر ليس بعيدا عن احدى تسميات "الجيش الحر" المتعددة .

ادلبتركيا
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء