الرجاء الانتظار...

محاولة لتقدير الموقف الراهن للأمة

folder_openتحليلات و مواقف access_timeمنذ يوم
starأضف إلى المفضلة


إيهاب شوقي

على غرار الحياة اليومية للمجتمعات والعائلات كما الأشخاص، تسير الحياة السياسية، سواء المحلية لأي بلد أو الإقليمية أو الدولية.

فبينما تتفاوت العلاقات بين المودة والشقاق والعداء وانعكاسات ذلك على الممارسات من التعاون أو التنافس أو الصدام، فإن السياسة هكذا.

كثيرون من الاستراتيجيين والمتخصصين يحاولون تعقيد الأمور وهناك يبدو تعقيدا متعمدا لقصر التعامل بالسياسة على فئات بعينها بهدف الخروج بمضمون مفاده أن للسياسة أهلها وأنها للخاصة، وبالتأكيد فإن الهدف النهائي لذلك هو إملاء السياسات أو نزع شرعية الاعتراض أو المناقشة باعتباره تدخلا فيما لا يعني من يتم الإملاء عليهم! في حين أن السياسة هي نوع بسيط من التعاملات يمكن ان يراها المرء في تعاملاته اليومية.

بالمقابل، لا نريد أيضا أن نقع في فخ التبسيط المخل والذي يخرج الحديث عن نطاق العلمية، ولكن نريد فقط أن نقول إن التعقيد الشديد يخرج أيضا عن نطاق العلمية.

وربما ما يجعلنا نحتاط من التبسيط هو أن السياسة علم وفن وأن لها مدارس متعددة تتوقف على المفاهيم والمنطلقات والمبادئ والتوجهات والخلفيات، ما يجعل التناول الأحادي البعد لها تبسيطا مخلا، كما ان كثيرين لا يجيدون علم وفن التعامل اليومي، وبالتالي لا يستطيعون فهم أو التعامل مع السياسة، ناهيك عن أن المعلومات هي جزء رئيس في تناول السياسة سواء في التحليل او الممارسة وهي تختلف في وسط السياسة عن وسط الاجتماع من حيث التوفر والدقة.

هذه المقدمة التي طالت تهدف الى محاولة تحديد أهداف بعض السياسات المحلية أو الاقليمية أو الدولية ومحاولة رصد أهدافها الخفية ومحاولة استكشاف هدفها النهائي.

كثير من السياسات المحلية ولا سيما في النظم الاستبدادية تهدف الى إيصال رسالة ضمنية مفادها أن السلطة والحاكم لديهما علم لدني يستقرئون به الغيب ولديهم من الاسرار ما يخفى على الجماهير، وان الجماهير ليس عليها الا التفرغ لملاحقة معاشها اليومي ولتترك السياسة لاهلها، والمفارقة ان هناك مواطنين آخرين يروجون لذلك سواء بالتبرع أو بالأجر!

وكذلك على المستوى الإقليمي، فإن الأمور تدار بمعزل عن الوضوح وفي أجواء غامضة في حين يطلب إلى الجماهير المشاركة بالتوقيع فقط على قرارات حكامها لإكسابها شرعية شعبية، والجديد حاليّا وبعد "الربيع العربي" المزعوم هو تهميش الشرعية الشعبية والاعتماد فقط على شرعية القوة، سواء القوة الإقليمية أو قوة السلطات المحلية وبطشها.

وعلى المستوى الدولي فإن الأمور تدار بشريعة الغاب، وتقوم المؤسسات الدولية بدور العراب لهذه الشريعة، وتشكيل مجلس الأمن الدولي ووجود دول دائمة العضوية ممن لديهم حق الفيتو لهو أكبر دليل على مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية وكيف تمت ترجمة انتصارات وهزائم الحرب.

ما يهمنا في هذا المقال هو انعكاسات ذلك على وضعنا الراهن ومحاولة توصيف عام للوضع الدولي والإقليمي والمحلي بكلمات بسيطة خالية من التصنيفات والتعقيدات التي تحرف غالبا عن جوهر الصراعات وتميعها.

ما نراه أن هناك استقطابًا دوليًّا بين عضو يستميت للحفاظ على سيادة العالم رغم انتزاعها عمليا منه لصالح أعضاء آخرين، وهذا العضو هو الولايات المتحدة، ولأن الولايات المتحدة على رأس تكتل ولا تقوى على السيادة المنفردة، ولأن المنافسين هم تكتلات أيضا، فان الصراع الدولي هو صراع تكتلات، يتصدره من هم على رؤوس قائمتها إما بحساب القوى الفعلية التي تؤهلهم لاعتلاء القائمة أو بحساب التاريخ وأمجاد الماضي وهيبته!

والمشكلة الكبرى ان امريكا تعتلي قمة تكتل مأزوم، لا يقتنع بقيادة أمريكا ولا هو قادر على القيادة.

وعلى الجانب الآخر الصيني الروسي، لم تعد الامور عقائدية كما هو في الماضي، ولم يعد النفوذ العقائدي ولا تكتلاته هي الحاكم كعهد الاتحاد السوفياتي، وانما هناك تحالفا يبدو وكأنه مضادا للسيادة الامريكية ولا يمتلك القوة ولا القدرة على سيادة العالم، أي عنوانه رفض القطبية الأحادية الامريكية والعجز عن تشكيل قطبية احادية.

ومن هنا فإن المعركة تصب رغما عن الجميع في إطار مشابه للحرب الباردة وعنوانه الحفاظ على المصالح ومناطق النفوذ ومشكلته هي تحديد هذه المناطق التي اختلفت خريطتها بفعل اختلاف منطق الصراع.

لم يعد الصراع بين معسكر رأسمالي وآخر شيوعي، وهناك دول لعدم الانحياز، أي أن منطق "باندونج" والذي تبلورت عنه دول عدم الانحياز لم يعد موجودا وانما الاقرب للواقع الراهن هو منطق "سايكس بيكو" بتقسيم مناطق النفوذ.

ما يزيد الوضع الراهن تعقيدا هو ان التقسيم الاول كان تقسيما لارث امبراطورية عثمانية محتلة للاراضي، ام التقسيم الحالي فهو لارث منطقة ذاقت طعم الاستقلال الوطني وحاربت من أجله!

إن قوى المقاومة أجهضت ولا زالت تجهض مشروع التقسيم الدولي، ولهذا فإن الحرب الاستعمارية تدور على خطين متوازيين:
أولهما تمهيد الأرض للتقسيم بزرع أسس تقسيمية مثل القوميات والأعراق والمذاهب والطوائف.

وثانيهما شيطنة المقاومة وعزلها لأنها الوحيدة التي تحمل راية الاستقلال الوطني وتحمل رايات الوحدة.

ما نراه بكل تبسيط لا نراه مخلا هو أن هناك جيوشًا امبراطورية تزرع عملاء لها لتمهيد الأرض، وهؤلاء العملاء تتعدد مستوياتهم ووظائفهم وميادين عملهم.

فمستوياتهم تتراوح بين الأفراد كجواسيس وبين الحركات والميليشيات وبين قادة الانفصاليين وصولا الى مستويات ملكية ورئاسية. وميادين عملهم تشمل الميادين الإعلامية والثقافية والدينية والعسكرية. والهدف هو القضاء على المقاومة كفكرة وعلى قوتها وامداداتها كحركة.

يمكن في هذا الإطار قراءة التفاصيل الكثيرة من الأحداث والتحالفات والسياسات والتوجهات والحركات والأحزاب والمؤتمرات والفضائيات والتصريحات والخطابات، سواء في معسكر المقاومة او معسكر الاستعمار.

معسكر المقاومة ممتد ليشمل جميع الطوائف والمذاهب والأحزاب والأفراد، وكذلك معسكر التبعية والعمالة والخيانة.

وفي وقت عصيب تمر به الأمة حاليًّا فإن التبعية والخيانة هما زملاء تحت راية واحدة!

التعليقات