الرجاء الانتظار...

دماء على رمال مصر

folder_open# هاشتاغ access_time2017/10/23
starأضف إلى المفضلة

كثيرة هي الأحداث التي تتطلب صمتا مؤقتا مراعاة للحظات بعينها الى أن يسمح الظرف العام بالحديث، حتى يؤتي هذا الحديث أكله من جهة ولاعتبارات أخلاقية متعلقة بلحظات حزن أو مصيبة من جهة أخرى.
لكن عندما تكون الأحداث كثيرة ومتكررة، وتكون معالجتها بالطريقة العقيمة ذاتها التي تنبئ بتكرار جديد لاحق، فإن جميع الاعتبارات تنتفي ويصبح الحديث الصريح هو الشيء الوحيد المعتبر وهنا يكون من المأمول ان يؤتي أكله من جهة ويصبح الصمت تدليسا ويصبح الحديث أخلاقيا من جهة أخرى.
هذا بمناسبة المصيبة الأخيرة التي حدثت بمصر والتي كشفت مرضًا عضالًا ظهرت أعراض متلاحقة له ولكن العرض الاخير كان فارقا.
لا شك وان الارهاب يستهدف مصر كما استهدف ولا يزال سوريا والعراق وليبيا ولبنان والقائمة مفتوحة على دول اخرى يراد لها ان تشارك بنصيبها في مخطط التقسيم وان يتم القضاء على مفهوم الدولة القومية بها وان تصير "كانتونات" للتنوعات يصبح التنوع بها تقسيما لا اثراء.
ولا شك ان اي دولة معرضة لهجمات ارهابية غادرة ومهما كانت قوة أجهزتها وتماسكها فقد تحدث اختراقات تكلفها إصابات كبيرة.
كل ما سبق وارد ويمكن تفهمه، إلا أن التكرار يشي بخلل إما في القوة أو في الإدارة.
كما أن الاستعداد العام وطرق التعبئة للمعركة إما عن طريق الروح العامة للشعب أو التحالفات أو اقتصاد المعركة، كلها تكون مؤشرات على جدية ومصداقية المعركة.


أما الحادث الجلل الأخير فنقول أنه فارق لأنه لم يكن صدى لهجوم غادر مباغت وإنما القوات الأمنية هي التي بادرت ومن المفترض انها خططت وهو ما يعني انها جمعت المعلومات وعرفت الاماكن والاحداثيات وحجم القوة ونوعية التسليح وبناء عليه فإنها حددت الخطة وحجم القوة المهاجمة وتسليحها!
أما ما حدث، وبصرف النظر عن التضارب في أعداد الشهداء وهل هناك أسرى من عدمه فإنه يعني إما أن يكون هناك خيانة أو وشاية أو تضليل قد حدث وأوقع القوات في فخ كبير، أو أن الخطط كانت عشوائية وغير مدروسة أو لم تكن هناك خطط بالمعنى الاحترافي من الأساس!
كل الاحتمالات تقول إن هناك خللا كبيرا، ولو أضيف لما سبق من عمليات ارهابية تتم بطرق متشابهة وتكون نتائجها متشابهة، فإنه يعني ان هناك مرضًا لا مجرد خلل.
الأخطر من هذا المرض هو ان النية للتعافي والعلاج ليست واضحة ولا توجد مؤشرات لها، بل هناك انكار للمرض ومكابرة واتهام للأطباء والملاحظين للمرض بانهم خونة وأعداء، في حين ان التحالفات تعقد مع الاعداء ويتصدر مشهد الدفاع الاعلامي والثقافي ما يمكن اذا لجأنا لمنطق التخوين ان تنطبق عليهم صفات الخيانة.
المفارقة ان ما يحدث من تنام للارهاب يضرب شرعية الرئيس السيسي في مقتل كبير، حيث بنيت على تفويض بالقضاء على الارهاب، وهذا التفويض تلاشت معه لدى البعض الانتقادات بشأن التدهور الاقتصادي والاجتماعي بدعوى التفرغ لمعركة الارهاب، وهو ما يحرج كثيرا الرئيس باعتباره لم يحقق شيئا وان الضيق المعيشي الذي يتعرض له الشعب ليس ثمنا للامن والامان الموعود، ما يضيق الخناق على الاصوات المنافقة التي بادرت مبكرا بحملات انتخابية ودعاية فجة لاعادة انتخاب الرئيس دون مراعاة لحالة شعبية متأزمة على خلفية الاسعار المتضخمة والخدمات المتدهورة.
كما ان الابواق الموالية للنظام تتعامل مع المصيبة بالأغاني الجنائزية الممسوخة فنيا، والشعارات المستهلكة دون اي مناقشات جدية لعناصر لا المنظومة الشاملة لمحاربة الإرهاب، ودون تقديم أي نقد ذاتي للأمن أو السياسة.
والتعامل الرسمي مع المصيبة دون إعلان لحداد ومع الحضور الرئاسي لاحتفال بذكرى الحرب العالمية واستمرار الإعداد لزيارة خارجية لفرنسا، يوصل رسائل سلبية لأهالي الشهداء ولمن هم بالخدمة الأمنية والذين بدا من غير مصدر منهم عبر شواهد متعددة حنقا وغضبا اذا تطور فانه سيقود الى مزالق صعبة لا يتمناها احد نظرا لخطورتها البالغة.
والغريب أن هناك انتقادًا رسميًّا لاذاعة الاخبار وتسريبات التسجيلات خوفا على الروح المعنوية، فماذا اذن عن التصريحات والممارسات الرسمية؟ هل هي التي سترفع هذه الروح أم أنها ربما تحولها من حزن الى غضب؟
إن هناك فشلا مزدوجا امنيا وسياسيا يشي باهتراء فكري لا يبدو انه مؤهل لخوض معركة مع الارهاب لا من حيث التحالفات وبعدها الاستراتيجي ولا من حيث التعاطي الامني والسياسي المباشر وبعده التكتيكي.
أي حرب هذه التي تخاض دون دراسة ودون استعداد؟ وأي نصر يمكن أن يأمله المصريون وسط هذا المناخ المعادي للمقاومة والحاضن للإرهاب والمعلن لخلاف ما يمارس فعليا على الارض.
إن هذه الازدواجية تهدر الدماء الزكية لرجال الجيش والشرطة المدافعين بصدق عن الوطن والمؤمنين بحق ان معركتهم مع الارهاب هي معركة مقدسة وانهم سائرون في معاركهم إما للنصر او الشهادة.
اما ادارة المعركة فهي في حاجة ملحة وفورية اما للتغير او للتغيير.

(*) كاتب صحافي مصري

التعليقات