الرجاء الانتظار...

هل تتوسط روسيا لنزع فتيل الازمة الكورية ـ الاميركية (2 من 2)

ننشر فيما يلي القسم الثاني من المقال المتعلق بالازمة الكورية الذي نشرته الجريدة الالكترونية الروسية "نيزافيسيمايا غازيتا" للباحث البروفسورغيورغي تولورايا، رئيس المركز الاستراتيجي الروسي للشؤون الاسيوية التابع لاكاديمية العلوم الروسية.

إن التهديد بسيناريو عسكري، خلافا للعقود الأخيرة، نما بشكل ملحوظ. ولا يمكن لأحد أن يعتقد جديا في احتمال قيام كوريا الشمالية بعدوان غير مبرر ضد الولايات المتحدة (وهذا سيكون سخيفا وانتحاريا)، ولكن الأميركيين يجادلون في قيام كوريا الشمالية بمثل هذا العدوان المغامر من منظور منع كوريا الشمالية من الشعور بالإفلات من العقاب لان ذلك يمكن أن يدفعها ليس فقط لابتزاز شركائها بهدف الحصول على تنازلات، ولكن أيضا في امكانية القيام بمغامرة تتمثل بمحاولة توحيد كوريا عن طريق شن هجوم خاطف مع توقع أن الولايات المتحدة لن تتدخل (خوفا من ضربة نووية انتقامية)، وفي هذه الحالة فإن كوريا الجنوبية سوف تستسلم.
وهكذا، فإن ترامب وكيم، مثل قطارين متواجهين يسرعان للاصطدام احدهما بالاخر، يواجهان خيارا فوريا: اما الانزلاق الى الحرب أو الجلوس الى طاولة المفاوضات. وتخشى سيوول من ان لا تستطيع الولايات المتحدة منع وقوع الخسائر الفادحة بين سكان جمهورية كوريا وتدمير البلاد فى حالة تنفيذ السيناريو العسكري وقيام كوريا الديمقراطية (الشمالية) بتوجيه ضربة انتقامية لها. وفي حالة وقوع العدوان الأميركي فإن الصين سوف تتدخل في الوضع وبالتالي يتحول الصراع المحلي حتما إلى صراع دولي. وعلى الرغم من اعلان بكين انها لن تتدخل فى حالة اندلاع الحرب ضد كوريا الديمقراطية، الا انه في الواقع هي مضطرة ان تفعل كل شيء من اجل الحفاظ على الدولة الكورية الشمالية، كـ"دولة تابعة" او "منطقة عازلة".
وحسب رأي المتشائمين، فإن الزيارة التي سيقوم بها ترامب الى المنطقة في تشرين الثاني سوف تستخدم من اجل حصول الولايات المتحدة على"تسوية ما بعد الحرب" (اي تقاسم مناطق النفوذ) مع الصين واقناع بكين بقبول "الحل العسكري المحدود". ومن الضروري أيضا تطمين قيادتي كوريا الجنوبية واليابان الحذرتين من انه يمكن ببساطة التضحية بهما من أجل الحفاظ على الوضع المهيمن للولايات المتحدة في العالم. لقد سئمت بكين من "زبائنها الكوريين الشماليين"، واليوم من الممكن بالفعل أن نتصور ما لا يمكن تصوره: أنه في شروط معينة، يمكن أن توافق بكين على "ازالة الدمل" مقابل، ونتيجة لذلك، زيادة النفوذ الصيني في المنطقة.
وحتى الان، بدون ان تقرر اللجوء الى الحرب، تسعى الولايات المتحدة الى عزل النظام الكوري وإضعافه من خلال العقوبات والحصار الاقتصادى الفعلي بحجة ان هذا قد يجبر قيادة كوريا الديمقراطية على تغيير اولوياتها. وبطبيعة الحال، لن تفرض أية عقوبات على بيونغ يانغ الاستسلام والتخلي عن الدرع النووية التي تم إنشاؤها بكل هذه الجهود (وكما قال فلاديمير بوتين بدقة: "انهم سيأكلون العشب، ولكنهم لن يتخلوا عن الأسلحة النووية"). وفي الوقت نفسه، فإن العقوبات، وفقا لملاحظاتنا، تؤثر بالفعل سلبا على فرص التنمية الداخلية وستؤدي قريبا إلى انخفاض مستوى المعيشة (ولكن ليس بالضرورة انخفاض مستوى الدعم للنظام)، على الرغم من أن البلاد حققت في السنوات الأخيرة نموا اقتصاديا كبيرا بسبب الإصلاحات غير الرسمية على أساس متطلبات السوق.
هل من الممكن إيجاد حل عن طريق الدبلوماسية؟ هذا يتطلب إرادة سياسية من كلا الجانبين. ان هدف كوريا الديمقراطية هو واضح: ان بيونغ يانغ تسعى الى اجبار الخصوم على اضفاء الطابع الرسمي على نتائج الحرب التي تفترض وجود جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية كدولة مستقلة والاعتراف بها واعطائها ضمانات حقيقية لفرص الامن وامكانية التنمية. ولكن الموقف الاميركي يراوح مكانه: ان المؤسسة الحاكمة للولايات المتحدة ليست فى وضع يمكنها من اتخاذ قرار استراتيجي بالاعتراف بكوريا الديمقراطية، ومن ثم تنزلق الى الهستيريا. وعلى الرغم من الاتصالات السرية، لا يمكن للطرفين الاتفاق على اعلان ما يتم الاتفاق عليه.
اما سياسة سيوول فهي متناقضة. ويبدو أن القيادة الديمقراطية الجديدة لجمهورية كوريا الجنوبية قد فهمت أنه ليس هناك أمل في توحيد كوريا بالقوة تحت رعايتها، وهذا يعني أنه من الضروري إيجاد شكل للتعايش السلمي، لا يتسم بالود. ولكن رئيس جمهورية كوريا، مون تشي يين، يحاول "الجلوس على كرسيين" - فمن جهة يحافظ على شعارات التعاون مع الشمال، التي جاء تحتها الى السلطة، ومن جهة ثانية يخضع للإملاءات الاميركية التي تدعو الى عزل كوريا الديمقراطية. وفي الوقت الذي يطمح فيه الى عدم إضعاف علاقات التحالف مع الولايات المتحدة، فإن مون يسعى في الوقت ذاته إلى التقارب مع الصين وروسيا.

كيم بالمرصاد


ما هو المخرج؟ ان روسيا والصين على السواء  تدعوان الى ايجاد حل تفاوضي للمشكلة على اساس متعدد الاطراف (ان الاتفاقيات الثنائية بين الولايات المتحدة وكوريا الديمقراطية ضرورية ولكن بدون ضمانات للدول الكبرى يمكن للاتفاقيات الثنائية ان تنهار في اي وقت). ونظرا للعلاقة المتوترة الحالية بين بكين وبيونغ يانغ، فإن روسيا تحصل على فرصة لتصبح صانعة للسلام (وبالمناسبة، يعتمد الكوريون الجنوبيون كثيرا على ذلك، وهم يدعون بوتين للعب دور "رجل إطفاء" لإطفاء اللهب في شبه الجزيرة الكورية). ومن أجل تفادي نشوب صراع مدمر شامل، يتوجب على بلدنا ان يعمل على الحفاظ على الوضع الراهن (الستاتيكو)، حتى لو كان ذلك يعني نشوء قوة نووية بحكم الأمر الواقع على حدودنا.
كيف يمكننا المضي قدما في هذا؟ من الممكن، على سبيل المثال، أن نبدأ بحزم: أن ندعو لعقد مؤتمر رفيع المستوى متعدد الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة، وأن نعلن أطر الاتفاقات المقبلة. ولكن ربما لا يوجد أحد على استعداد لهذا حتى الآن. وهذا ما يدفعنا ان نباشر بشكل تدريجي بوضع "خريطة طريق" بالاشتراك مع الصين. ولتتضمن "الخريطة" المراحل الثلاث التالية (التجميد المتبادل للاختبارات والتجارب، وإبرام اتفاقات أساسية ثنائية، وإنشاء نظام أمن جماعي)، واذا تعذر ذلك فليكن هناك "قاع مزدوج": المهم هو بدء العملية الدبلوماسية وتجميد كل من برنامج الصواريخ النووية الكورية الشمالية، وحشد القوات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها، الأمر الذي سيبعد الطرفين عن حافة الهاوية. ان العملية الدبلوماسية تعني الحفاظ على الصراع، وفي هذه الحالة فإن هذا الخيار ليس هو الأفضل، ولكنه ليس الأسوأ.
إن الواقع الجيوسياسي الجديد يسمح لاتحاد روسيا والصين بأن يأخذ على عاتقه هذه المهمة الطموحة، التي تكتسب اهمية خاصة بالنسبة لكلا البلدين المتاخمين لكوريا.

التعليقات