الرجاء الانتظار...

الدولة تنفض كفيها من ذاكرة ’الزمن الجميل’ 

folder_openخاص access_time2018-03-14 person_pinفاطمة سلامة placeلبنان
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

في 28 أيار/مايو عام 1959 شهد لبنان أول بثّ تلفزيوني بواسطة "شركة التلفزيون اللبنانية" من تلة الخياط في بيروت. وفي عام 1962 انطلق "تلفزيون لبنان والمشرق" من الحازمية. الضائقة الاقتصادية دفعت بالمسؤولين الى دمج الشركتين في عام 1977 تحت اسم "تلفزيون لبنان"، ومن هنا بدأت حكاية الشاشة التي أضحت أيقونة الإعلام الرسمي، قبل أن تعمل الأيادي السوداء على تقزيمها والعبث بتاريخها. الشاشة الصغيرة التي كبرت على ألوانها السوداء والبيضاء أجيال، وباتت أرشيفاً حافلاً يختزن في طياته، تاريخ لبنان، تُواجه خطر "الخصخصة". ذاكرة الزمن الجميل، أضحت إحدى هموم الدولة التي لم تُفكّر كثيراً قبل أن تختار إعلامها الرسمي "الحلقة الأضعف" لتخفيض عجزها المالي، بعد سنوات من تخبطه. ضاقت عين المسؤولين ذرعاً في تلفزيون لبنان ومعه الإذاعة اللبنانية، فوجدوا في الخصخصة سبيلاً يُنزل عن كاهل الخزينة الأعباء المادية. 

لم يُفكّر المسؤولون لبُرهةٍ واحدة في التداعيات الكبيرة التي ستتركها حتماً هذه الخطوة. خسران الوطن هويته الإعلامية، سيكون أولاها. فبدلاً من أن تسعى الحكومة لتطوير تلفزيونها الرسمي، وفك خلافاته، تعمل من حيث تدري أم لا تدري على سلبه سمة "الجماهيرية" ورميه في أحضان الخطاب الطائفي والمذهبي. تجربة عامي 1994 و1995 اللذين تم خصخصة تلفزيون لبنان خلالهما قبل أن يسترده القطاع العام في عهد الرئيس الراحل رفيق الحريري خير دليل على هذه التداعيات. تاريخ هذا التلفزيون مع إهمال الطبقة السياسية حافل. كثر من السياسيين نفضوا كفيهم عنه. يكفي أن نستذكر في هذا المجال جملة فؤاد السنيورة الشهيرة للتبرؤ منه إبان توليه منصب وزير المالية حين قال "إنني ضدّ تلفزيون لبنان، ولم أؤيّد إعادة شراء الدولة لأسهمه وأعتبر هذا التلفزيون غير مجدٍ، كما لا نملك المال لمساعدته". 

أبو ملحم

قصّة التلفزيون مع سياسة "نفض الكف" الرسمي طويلة. عين الخصخصة على هذه المحطة قديمة، والمحاولات متعددة. واجه بعضها أصواتاً معارضة انتفضت في وجه تلزيم المحطة الرسمية، وبيع أسهمها، إلا أنّ المحاولات تتجدد اليوم مع عودة معزوفة "الخصخصة"، والحديث عن توجيه وزير الإعلام ملحم رياشي كتاباً إلى رئيس الحكومة سعد الحريري يطلب فيه العمل على خصخصة تلفزيون لبنان والإذاعة اللبنانية. تلك الخطوة يبرّرها رياشي بأنّها تنزل عن كاهل الدولة أعباء ماليّة كبيرة، وتسمح بتطوير العمل في التلفزيون والإذاعة وتطوير مهارات الموظّفين وقدراتهم". فما تداعيات هذا الأمر على الإعلام الرسمي؟ وهل حقاً لديه جدوى اقتصادية؟.

يأسف رئيس المجلس الوطني للاعلام عبد الهادي محفوظ كثيراً لخطوة رياشي. وفق قناعاته، "تُحاصر "الخصخصة" الهوية الوطنية للإعلام الرسمي، الذي ينبغي أن يحرص على الخطاب اللاطائفي، ووحدة الدولة، في زمن تهيمن فيه لغة الطائفية والمذهبية على أغلب المؤسسات الإعلامية في لبنان". برأيه "تتراجع الهوية الوطنية لصالح الهويات الفرعية، وتتهدّد فكرة الدولة بفعل "الخصخصة"، في وقت أكثر ما نحتاج فيه الى هوية وطنية جامعة، في ظل نمو الهويات الفرعية التي تنقل الوطن الى نظام فيدرالي". 

لا يُحبّذ محفوظ مُطلقاً إطفاء دور الإعلام الرسمي، وسلبه تاريخه. الواقع يحتّم علينا تفعيله وليس خصخصته، لأنّه وسيلة تخاطب مشتركة بين جميع اللبنانيين". تحويله للقطاع الخاص لا يعني إنقاذه، أو استمراريته، يشدّد رئيس المجلس الوطني للإعلام، الذي يرى أنّ القطاع الخاص مهدّد بالموت لأنّ بعض الوسائل لا تملك السيولة الكافية لاستمراريتها. وهنا يأسف المتحدّث لتراجع فكرة الدولة  كثيراً في لبنان في الآونة الأخيرة، وتهميش المؤسسات التابعة لها، والتي باتت من المظاهر السلبية، وسط استمرار المحاولات المستمرة لتحويل مؤسسات عدة من القطاع العام الى الخاص، تحت عناوين مختلفة.   

لا يؤمن محفوظ كثيراً بـ"الحُجة" التي بُنيت عليها معزوفة الخصخصة. يُشدّد على أنّ الإعلام الرسمي لا يمكن أن يشكّل مشكلة مالية للدولة لأنه غير مكلف أصلاً. وهو الكلام الذي يؤيّده الخبير الاقتصادي حسن مقلد الذي يؤكّد أنّ تمويل المحطة الرسمية لا يشكل عبئاً مطلقاً على خزينة الدولة. إنه بمثابة "دكانة" يجري تمويلها. الإصلاح يبدأ بإيقاف مزاريب الهدر. يُشدد مقلّد على أنه لا يوجد دولة في العالم لديها تلفزيون رسمي تعمل على التخلي عنه، ورميه في أحضان ضغوطات السياسيين. يستغرب مقلّد كيف تعاود الدولة الكرة و"تجرب المجرّب" بعدما أثبتت تجربة خصخصة "تلفزيون لبنان" في منتصف التسعينات فشلها. برأيه، القضية لا تكمن بالأموال، فالخلاف السياسي على التعيينات دفع المسؤولين الى الهروب للقطاع الخاص، بذريعة إزاحة الأعباء المادية، مع أنّ هذه الخطوة لا تجني أي جدوى اقتصادية" يختم مقلّد.