الرجاء الانتظار...

 

بين النكبة والعودة: مقاومة تحفظ إرادة القتال

folder_openآراء وتحليلات access_time2018-05-16 person_pinعبير بسام
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

من الجيد أن نطلع على أسباب نكبة فلسطين من الشخصيات التي عاصرتها في تاريخنا الأليم منذ بدايات القرن العشرين، لأننا اليوم أمام واقع جديد يحتم علينا حماية فلسطين وحفظ ثورتها من اجل تحقيق مسيرة العودة. ما حدث في العام 1948 لأم يكن سوى نتيجة حتمية لمجموعة من الأسباب الواقعية، التي أرخت بظلالها على تلك المرحلة، ومن خلال استعادة الحوادث وقراءة المذكرات لفهم ما حدث، يتبين أن أسباب نكبة فلسطين واضحة وهي بمجملها تنحصر على المستوى الداخلي، في ضعف الأداء القيادي العربي والتخوف على مواقع السلطة. تجلى ذلك في حملات تخوين القادة لبعضهم البعض؛ وأما على المستوى الدولي فقد تمثل بهزالة الأداء العربي الدبلوماسي والقدرة على إيجاد مصالح مشتركة مع دول العالم. انعكس الصراع على السلطة من خلال تخبط القيادة السياسية للجيش العربي ومن ثم لقيادة جيش الإنقاذ. وهذا لا يعني سوء أداء الجيشين على أرض المعركة، بل في سحبهما بعد تحقيق انتصارات متلاحقة باتت تهدد الوجود الصهيوني، بسبب التهديدات البريطانية للحكام. والأمر الأخير هو التقاعس عن تسليح المقاومة الفلسطينية وخذلانها في أحلك اللحظات. وهذا ما يمكن أن نقرأه من خلال مذكرات فوزي القاوقجي وبعض من كتبوا في تلك المرحلة وعاصروها وهم كثر.

فوزي القاوقجي، قائد عسكري عربي من طرابلس/ لبنان عايش الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية من العراق إلى الشام إلى فلسطين. تقول الدكتورة خيرية قاسمية، التي أعدت مذكراته: أن القاوقجي حين كتب الجزء الأخير من مذكراته عن فلسطين في العام 1950، كان لا يزال مذهولاً من وقع الكارثة. وكتب يقول: "لم يعرف التاريخ أرضاً غالية مقدسة ضاعت بأرخص مما ضاعت فلسطين". وكان يشعر بأن في الأمر لغزاً وذلك بسبب العدة والمعدات التي كانت عليها الجيوش العربية والتي كان بإمكانها أن تدحر الصهاينة. وما يستغربه القاوقجي أن الرؤوساء العرب خرجوا يستجدون هدنة دائمة كل على حدا، وهو أمر يرى مرده إلى: "فقدان الرؤوس الكبيرة بين كبار المسؤولين: الكبيرة بالعقل والعقيدة والأنفه والإخلاص". فنكبة فلسطين ارتبطت اتباطاً مباشراً بسوء أداء القيادة ولم تكن تنقصها عزيمة الفلسطينيين من أجل حماية أرضهم، ولا حتى عزيمة الجندي العربي الذي قاتل.
 
كان فوزي القاوقجي أحد قادة الثورة الفلسطينية في العام 1936 والتي امتدت إلى الشام والعراق ومصر. وقد جمع حينئذ المقاتلين من مختلف الدول العربية، وكان بينهم شركس وأرمن ممن آمنوا بقضية فلسطين. وكتب في مذكراته عن المفاجأة التي خذلت الجميع عندما قرر الأميرعبد الله و"اللجنة العربية العليا" اعلان الهدنة مع البريطانيين بعد انتصارات ثورة 1936. وتعلق قاسمية عما قرأته في مذكرات الفاوقجي: "مع أن قضية فلسطين قد وقعت على كاهل الشعب الفلسطيني، إلا أن الأمة العربية بأجمعها كانت على استعداد للمشاركة بنصيبها في المعركة تأكيداً للتلاحم العضوي في المصير المشترك. وكان القاوقجي أحد أبناء هذه الأمة، قاتل على كل أرض عربية طغى عليها الإستعمار. وقد قاد عام 1936 حملة من المتطوعين عبرت بادية الشام لنجدة ثورة فلسطين الكبرى، وألجأ القوات البريطانية لطلب الهدنة، وكانت برأيه بداية كارثة 1948".

يبدو أن الصراع على السلطة كان على أشده حتى في أحلك الساعات التي كانت تضيع فيها فلسطين، في وقت كان يحتاج إلى تكاتف القوى جميعها. في لقائه في 19 تشرين الأول/ اكتوبر من العام 1947 مع كل من عبد الرحمن عزام، الأمين العام لجامعة الدول العربية، وكل من رئيس حكومة سورية جميل مردم والعميد طه الهاشمي وشخصيات من العراق وسوريا ومصر. حيث تقرر حينئذ عديد جيش الإنقاذ بقيادة القاوقجي، والذي سيكون المتطوعون الفلسطينيون جزءًا منه إلا أن المفتي أمين الحسيني رفض ذلك رفضاً قاطعاً. ويبدو أن الأمر له علاقة بما وثقه "عارف العارف" في سلسلة كتاباته "النكبة" وهو أن المفتي لم يدع لحضور اجتماع عاليه، الذي عقده مجلس الجامعة العربية، في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، والذي تقرر فيه تأليف جيش عربي للدفاع عن فلسطين، وتشكلت لجنة عسكرية من مجموعة من الضباط العرب ومن بينهم الفلسطيني عزة الدروزة، والذي استبدل بصبحي الخضرا فيما بعد. وفتح في قطنا قرب دمشق معسكر لتدريب المتطوعين. كما تقرر أن تبقى الجيوش العربية مرابطة على حدود فلسطين، إلا إذا تلقى اليهود مساعدة أجنبية وتعرض عرب فلسطين للخطر!! وانسجم ذلك مع اعتراض بريطانيا على تسليح الفلسطينيين وتدريبهم، اذ اعتبر أن ذلك عملاً غير ودي تجاه السلطة المنتدبة التي لم تنسحب من فلسطين بعد.

قبل صدور قرار التقسيم بيومين، في 27 تشرين الثاني، رفع رئيس اللجنة العسكرية اسماعيل صفوة باشا تقريراً إلى رئيس الأركان العراقي جاء فيه أن قدرة اليهود يومئذ لا تقل عن 50000 مقاتل، ثلثهم تحت السلاح وثلثاهم يمكن حشدهما خلال أسابيع، وأن بإمكانهم الحصول على نجدات من وراء البحار. وأنه ليس للعرب في فلسطين ما يكفيهم من القوات المسلحة والسلاح لدرء الخطر عنهم وأن اسلوب حرب العصابات، ومع الحماس الذي أبداه الفلسطينيون للدفاع ضد العصابات الصهيونية، لا يكفي ولابد من مواجهة الصهاينة بقوات مدربة ومسلحة. ولم يتشكل جيش الإنقاذ حتى أعلن قرار التقسيم، وتألف الجيش من ثمانية أفواج كان فوزي القاوقجي قائد فوج القادسية، وعمل في قطاع رام الله وباب الواد وكان معظم رجاله من العراق. وامتدت الأفواج بحسب العارف على طول المدن الفلسطينية وانضمت إليها السرايا من الأردن وحلب.

ويكشف العارف عن ضعف الأداء العربي الدبلوماسي ويروي تفاصيل حول ما جرى في أروقة الأمم المتحدة، والتي جاء فيها أن الاجتماع للتصويت على قرار التقسيم تأجل لمدة أربع وعشرين ساعة، ولم يعرف كيف دعم وطلب هذا التأجيل. كما أن مندوبي هاييتي وليبيريا والفليبين كانوا قد أعلنوا قبل 24 ساعة من القرار انهم سوف يعارضونه، ثم حدث تغيير في المواقف.

بحسب ما جاء في كلام فارس الخوري ممثل سوريا أنذاك في مجلس الأمن: "أن هيئة الأمم المتحدة أقرت مشروع التقسيم بأغلبية صوتين اثنين، وأن المعركة بلغت أشدها في اليوم الذي سبق قرار التقسيم، وأن معظم الدول التي كانت تؤيد العرب في وجهة نظرهم، لولا تدخل الولايات المتحدة؛ اذ راحت هذه تؤثر على مندوبي الدول واحداً فواحداً، وتضغط عليهم ضغطاً متواصلاً، حتى أنني لأذكر أن مندوب الفيليبين بعد أن وعد بتأييدنا اضطر إلى الهرب حتى لا ينقض وعده استجابة للضغط الأميركي، وأن مندوب هاييتي بكى أمامي لأن مصالح بلاده مع أميركا أقدس من مصالح العرب. ولهذا اضطر إلى أن ينقض وعده". كما يتابع الخوري بأن تريجف لي، السكرتير العام للأمم المتحدة كان مسؤولاً إلى حد كبير عن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني، إذ أنه جند الموظفين الذين يعملون تحت رئاسته وعددهم ثلاثة آلاف ليندسوا بين الأعضاء للتأثير عليهم. وهذا لا يخرج عن الكلام الذي يؤكد فيه القاوقجي أن قضية فلسطين قد أثارت شكوك العرب في بريطانيا والقوى الكبرى.  

"أخيراً أعلن التقسيم"، يدون القاوقجي، "...وفجأة وبطريقة أتوماتيكية، تتحول اعتداءات اليهود على البريطانيين إلى اعتداءات وحشية على العرب، وتروح هذه  الإعتداءات وتشتد ويتسع نطاقها بأساليب مختلفة، غير أنها في مجموعها تدل على الحيلة والغدر، كما تدل على الجد والتنظيم والإمعان المقرر بالوحشية". وأما على المقلب الشعبي العربي والفلسطيني فقد بدأت الصدور تغلي غلياناً شديداً، وأخذ يقوم بالمظاهرات الصاخبة يطالب فيها بتسليحه. إنه يريد أن يقاتل! فأمطرته الرؤوس الكبيرة تصريحات في كل مكان، كأنما هي على سابق موعد واتفاق.

ما كان أشبه اليوم بالأمس لولا وجود "المقاومة"، فاليوم هناك من يقف خلف الشعب الفلسطيني ويقول له: ".. يمكنكم في الشدائد أن تراهنوا علينا..وكفى".