الرجاء الانتظار...

من ظُلمة معتقلِ الخيام.. قَاوَمَت فانتَصَرَت

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-05-21 person_pinياسر رحّال placeلبنان
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

كانت ابنة الـ24 عاماً في منزلها في محيبيب الجنوبية حين داهمتها قوّة صهيونية واقتادتها الى المعتقل. لم تدرك رسمية جابر في ذلك الحين ما يخبئه لها ظلام المعتقل. هو تاريخ تذكره بدقة 1/1/ 1990 عندما أُخذت عنوة من منزل أهلها، بعد أن اعتُقل والدها وشقيقها في وقت سابق. اقتيدت الى معتقل الخيام، هناك فتحت الشرطية الاسرائيلية صندوق السيارة، أخدت كيساً وعصبة، وضعت الكيس في رأسها والشريط على عينيها، وقامت بتكبيل يديها. كانت تلك بداية رحلة رسمية في عالم الأسر القاسي.

داروا بها في أرجاء المعتقل مغمضة العينين، يقتادونها صعوداً ونزولاً في مكان لا تعرفه، كجزء من الضغط النفسي، الى أن وصلت الى مكان فيه نسوة ثلاث ورجل، حيث التفتيش. واجهت في هذه الغرفة أقسى اللحظات وأصعبها. المفتش يطلب منها نزع الحجاب، ترفض، تعاند، لكن الشرطية الاسرائيلية كانت بالمرصاد. نزعت الحجاب عن رأسها بالقوة ثم داست عليه.

تقول رسمية عن هذه اللحظات "شعرت أنه كل ما لدي في هذه الدنيا، شرفي، كرامتي، هويتي الحقيقية، لقد داست عليها". بعد التفتيش سيقت الى مكان آخر. حيث بدأ التحقيق. والتحقيق في معتقل الخيام، كما كل معتقلات الصهاينة، مرتبط حكماً بالتعذيب. أسئلة وتعذيب، كهرباء، سكبٌ للماء البارد، والماء الحار، "كرباج" وضرب، فضلاً عن التعذيب النفسي، هكذا تختصر رسمية أساليب الصهاينة في التحقيق.

تقول "كانت التهمة هي التعاون مع المقاومة، وكان التركيز في التحقيق على الأسماء". هناك استحضرت رسمية كل ما لديها من عناصر قوة لتبقى صامدة بوجه أساليب التعذيب القاسية، والمؤلمة.

بعد هذه الفترة، حشرت في زنزانة صغيرة، مكبلة اليدين والقدمين، وضعت الشرطية أمامها صحناً فيه طعام، وتوجهت اليها بالقول "ستأكلين كما يأكل الكلب". في تلك الزنزانة الخاوية الّا من برد كانون، جلست الفتاة العشرينية، اختلت بضعفها، بكت ألماً وخوفاً، لكنها لم تستسلم. "وأنا في هذه الأثناء تذكرت الصلاة، لم يكن لدي حجاب ولا ماء للوضوء، والزنزانة كان يدخلها الماء من جميع الجهات، صليت بالشكل الذي استطعت اليه سبيلاً، لقد كانت الصلاة سلاحي الوحيد"، تقول رسمية.

على هذه الحال، بقيت قرابة الـ33 يوماً، الى أن سمعت أصواتاً قريبة منها، فعلمت أن هناك فتيات مثلها في المعتقل. بعد هذه المرحلة، نُقِلَت الى غرفة فيها 6 معتقلات. كانت لديها رغبة شديدة بالتكلم الى أي أحد، لكن بطبيعة الحال، الحذر يكون سيّد الموقف في المعتقل، فالاسرائيلي يزرع عملاءه حتى داخل الزنازين. بعد فترة من التحقيق، جاءها عرض العمالة من خلال الترغيب، من قبل المحقق الذي قال لها "اذا تعاملتي معنا تخرجين من المعتقل وتحصلين على امتيازات"، عرضٌ قابلته ابنة الجنوب بازدراء وسخرية، رغم ما كانت تعانيه من ألم الاعتقال

كانت يوميات الأسر متشابهة. "كنا نأكل حتى نعيش فنقاوم أكثر"، مقولة تلخّص حال الأسيرات المقاومات. تتابع رسمية "هناك تعرف معنى المقاومة أكثر، تعرف عدوّك أكثر. أنت مجردٌ من كل شيء لكن عليك أن تثبت للعدو أنك ما تزال قوياً". هكذا كانت الارادة قوةً أمدّ الله بها من ناجته وحيدة في زنزانة.

تروي المعتقلة المحررة بعضاً من انتهاكات العدو لأبسط حقوق الانسان "كل فترة كنا نخرج الى الشمس لمدة عشر دقائق. يعطوننا نحن السبع فتيات دلوي مياه فقط يجب أن يكونا كفايتنا للاستحمام وغسل ثيابنا، لكننا رغم كل شيء كنا نستيقظ صباحاً ونبدأ بالرياضة الصباحية بشكل يومي. صنعنا من ربطة كيس الخبز سنارة للحياكة، ثم كسرنا سن مشط وقمنا "بحفها" وثقبها، صارت "ابرة"، لم تكن لدينا أوقات فراغ، كانت لدينا برامجنا العبادية، وكنا نجري نقاشات سياسية وثقافية فيما بيننا". هي تفاصيل صغيرة، لكنها تروي الكثير عن نساء قاومن المحتل بكل ما لديهن من إرادة وإيمان. توضح "مررنا بلحظات ألم وليس بلحظات يأس. كان المحققون يقولون لنا إننا جئنا بكم الى هنا لنخرجكم "عالة" على مجتمعكم، لكننا كنا نرد عليهم بأن كل ما تستطيعون فعله هو سجن هذا الجسم لكننا أحرار بالفعل".

بعد عام وستة أشهر، خرجت رسمية جابر من خلال عملية تبادل أسرى. هو اليوم بعكس ما أراد لها الجلاد الاسرائيلي أن تكون، مسؤولة عن ملف الأسيرات المحررات في حزب الله. تؤكد رسمية أن معتقل الخيام مدرسة تعلمت منها الكثير، خرجت أقوى وبأهداف واضحة أكثر، عملت على تشكيل تجمع معتقلي الخيام وفلسطين المحتلة. تقول "لم نترك بابا الا طرقناه لأجل الأسرى. كنا في ذلك الوقت مجموعة من الأسرى المحررين، زرنا رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي، فكانت الصدمة حين سَأَلَنا "ليش في نسوان بمعتقل الخيام!".

"عندما يأتي النصر ممزوجاً بالوجع يكون له طعم أجمل"، لذلك فإن رسمية هي بين أكثر العارفين بقيمة عيد المقاومة والتحرير في 25 أيار 2000. تصف هذا التاريخ بأنه "القوة والنصر والولادة الجديدة لنا، هو ثمرة زرع الشهداء والأسرى والجرحى. نحن اليوم نرفع رؤوسنا لأننا انتصرنا على العدو الاسرائيلي، وان المقاومة الاسلامية التي بدأت من لا شيء أعزّها الله، لأن لديها قيادة مخلصة، ولديها شبان ضحوا بحياتهم لنعيش بكرامة وعزّة".