الرجاء الانتظار...

 

قمة سنغافورة وتاريخ واشنطن ناكثة العهود

folder_openمقالات access_time2018-06-12 person_pinفاطمة سلامة
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

في العام 1994، وقّعت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون "اتفاق اطار" مع كوريا الشمالية في عهد كيم ايل سونغ جد الزعيم الحالي. الإتفاق المذكور أتى بعد عقود من العداوة المطلقة بين واشنطن وبيونغ يانغ، بدأت أولى فصولها في منتصف القرن العشرين. حينها، لم يُكتب لذاك الإتفاق عمراً طويلاً. تماماً كما حال العديد من الإتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها الولايات المتحدّة، والتي لا ثبات فيها. فلا استراتيجية راسخة المعالم تحكم السياسة الأميركية، ولا مبادئ ثابتة بالنسبة للأميركيين. هذه الحقيقة يتلمسها كل من يُتابع ويُراقب مواقف البيت الأبيض المتقلبة و"المذبذبة". ولعلّ أكثر تعبير يُمكن استحضاره في هذا المجال ما وصف به آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي واشنطن بأنها تنقض العهود. الأمثلة تكثر في هذا الصدد. وأحدثها، الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. تفجير الخلافات في قمة السبعة والتملص من تنفيذ اتفاق قمة المناخ، وقبلهما الكثير الكثير من المواقف التي بدت فيه الدول كمن يشتري سمكاً في مياه أميركا. 

في التاسع من آذار، أعلن البيت الأبيض خبراً وصفه العالم بالمفاجأة واعتبره البعض بـ"مزحة" رسمية. وفي الإعلان لقاء سيجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وقتها، بدا اللقاء في الشكل أهم من المضمون. فمجرّد اجتماع من كانا في الأمس القريب ألد الخصام، هو أمر يستدعي رسم الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنّ اللقاء جاء بعد حرب كلامية لا تبقي ولا تذر. تم اللقاء وبدأ التاريخ كمن يعيد نفسه، ولو أنه من المبكر التكهن بآفاق اللقاء، لكن الواضح أن أميركا  تمارس سياسة المكر والخداع التي أصبحت جزءاً من دبلوماسيتها المعهودة. يُحاول رئيسها التقرب من كوريا الشمالية، مستخدماً أساليب "ناعمة" وجل همه تدمير ترسانتها النووية. فمن يسمع الكلام المعسول الذي أدلى به في حضرة الزعيم الكوري الشمالي خلال اللقاء التاريخي في سنغافورة، يعرف جيداً كمية الاحتيال التي يُخبئها هذا الرجل في جعبته. برأيه، فإنّ اللقاء مع كيم كان جيداً جداً، وواشنطن مستعدة لبدء تاريخ جديد مع كوريا الشمالية. الأخيرة أكدت التزامها بنزع السلاح النووي، إلا أن البيت الأبيض لن يتراجع عن العقوبات قبل تخلي بيونغ يانغ عن مخزونها النووي. فما دلالات لقاء ترامب-كيم؟ وهل ستصدق الولايات المتحدة هذه المرة في التزاماتها؟.

الخبير في الشؤون الأميركية د. كامل وزنة يقدّم قراءة أولية في حديث لموقع "العهد" لحدث سنغافورة التاريخي. برأيه، فإنّ مصداقية الولايات المتحدة في الالتزام بالاتفاقيات تبقى موضع شك، لأنّ من يعرف ممارسات الولايات المتحدة حيال أقرب المقربين اليها، يعرف أن لا أطر تحكم عمل هذه الدولة. فواشنطن لا تلتزم باتفاقياتها حتى مع حلفائها الاستراتيجيين. قمة السبعة خير دليل على ذلك، حيث كانت أميركا على أبواب غزو كندا بالطريقة التي تحدث فيها مسؤوليها. يُشدّد المتحدّث على أنّ تاريخ أميركا يشهد بأنها ناكثة للعهود. يُعرّج على الاتفاق السابق الذي عقدته أميركا وكوريا الشمالية في عهد بيل كلينتون ومهد له الرئيس جيمي كارتر، والذي لم تكن نتيجته سوى تملص واشنطن منه وانسحاب كوريا الشمالية. 

يلفت وزنة الى تاريخ المعركة القائمة بين واشنطن وبيونغ يانغ والتي تعود الى عام 1950، ليشير الى أنّ الاتفاق العتيد سبقه العديد من الاتفاقات التي ذرتها الرياح الأميركية، ونسفتها بلمح البصر. فالثابت الوحيد في السياسة الاميركية -برأيه- هو الاتفاق ثم الانقضاض عليه. يصف الخبير في الشؤون الاميركية "وثيقة سنغافورة بالاتفاق المحفوف بدرجة من المخاطر والمغامرة، لأن من يراقب تصرفات ترامب يعرف جيداً كم هو مزاجي ومتقلب، ديدنه ديدن العديد من المسؤولين الاميركيين وإن كان بدرجة أعلى". 

ولا يغفل وزنة -وهو يقدم قراءته للحدث- أن كوريا الشمالية جزء من التحالف الروسي-الصيني، ليطرح الكثير من علامات الاستفهام على رأسها: هل ستنهي أميركا وجودها العسكري في شرق آسيا؟. ولا ينكر المتحدث أنّ الزعيم الكوري في موقف صعب وظروف قاسية أجبرته ربما الى عقد مثل هذه اللقاءات، حيث تخلى عنه حتى أقرب الحلفاء، فيما العقوبات تخنق منافذه الاقتصادية، رغم صمود بيونغ يانغ طيلة 78 عاماً في وجه الحصار الاميركي والعقوبات الجائرة بحجة الترسانة النووية. وهنا يشدد وزنة على أنّ" الخطر الحقيقي ليس السلاح النووي الذي تريد واشنطن نزعه، بل السلاح التقليدي الذي تسوقه أميركا في العالم، وتستخدمه بشكل يومي، وتزرع من خلاله الحرب والدمار والفوضى العالمية لإثراء الشركات الأميركية بمئات مليارات الدولارات على حساب أمن الدول الفقيرة لقتل شعوبها".