الرجاء الانتظار...

 

4 عقود على مجزرة إهدن والذاكرة تنضح بإجرامهم  

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-06-13 person_pinفاطمة سلامة placeلبنان
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

كثيرة هي الأحداث التي تحفر عميقاً في الذاكرة، ولا يمكن محوها مهما كثُرت المحاولات لذلك. فثمّة قضايا تُصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصية مرتكبيها. يصل ذلك حدّاً يُصبح بموجبه الهروب منها فعل إدانة أو ضحك على العقول. فعندما نتحدّث عن تحرير الأرض مثلاً، لا بد أن نستذكر صاحب الفعل نفسه. نستحضر بطولات المقاومين والشهداء. وعندما نتحدّث عن مجزرة ما، فإنّ أول ما يلمع في أذهاننا اسم المرتكب والذي بحكم القانون يتحوّل الى مجرم. تماماً كما يحصل عندما نستذكر مجزرة إهدن، ونحن نعيش الذكرى الأربعين على مرورها، تحضُر في الذاكرة تلقائياً صورة سمير جعجع مرتكب هذه المجزرة، والذي لم تُفلح كل محاولاته "التجميلية" لتبييض ذاك الجرم، الذي يلاحقه كإسمه، ويتصدّر قائمة سجله الأسود. يُحاول تمزيق تلك الصفحة، لكنه لم يُفلح. صحيح أنه جرى طيها تجاوزاً للصراعات الداخلية، لكن استحضارها وتصفحها هيّن على كل من أراد ذلك. 

في الثالث عشر من حزيران/يونيو عام 1978 وقعت مجزرة اهدن. تلك الحادثة ارتكبها المدعو سمير جعجع بدم بارد، بحق آل فرنجية. لم يحلُ لرئيس حزب "القوات" اللبنانية آنذاك، المواقف الوطنية المشرّفة للبيت السياسي العريق. أعصاب الرجل لم تتحمّل الخارجين عن طوع مشاريعه التقسيمية والفتنوية في لبنان. عمد الى الغائها، ظناً منه بأنّ الرصاص يعدم الرأي الآخر. ارتكب فعلته الشنيعة، قتل 31 شهيداً من أبناء زغرتا. الأبرز بينهم كان طوني نجل الرئيس سليمان فرنجية وزوجته وطفلتهما. إلا أن رياح جعجع جرت عكس ما اشتهت سفنه، فلا استطاع إقفال منزل آل فرنجية السياسي، ولا تمكّن من الغاء رأيهم. جُل ما أفلح به المذكور أنه تمكّن من سفك دماء الأبرياء، بشهادة معاصري تلك الحقبة. وبشهادته هو أيضاً. نعم الرجل يعترف بجريمته ويبررها في آن. عودة سريعة الى أرشيف صحيفة النهار العربي والدولي عام 1985 تبيّن ذلك. يقول جعجع في مقابلة خاصة أنّ" ما جرى في اهدن هو عملية وليست حادثة". وفق مبرراته، هي عملية أمنية فرضتها الظروف في الشمال وظروف العمل السياسي والممارسة السياسية التي كان يقوم بها آل فرنجية". 

ولعلّ  كتاب "مجزرة إهدن أو لعنة العرب المسيحيّين" للصحفي الفرنسي ريشار لابيفيير واحد من الشهادات الحية على هول المجزرة لا بد من الاستشهاد به لدى استحضار الذكرى، رغم مرور تسع سنوات على إصداره. فالمجزرة التي نفذّها جعجع آنذاك بإيعاز من الرئيس بشير الجميل لم تكن حدثاً عابراً، وفق الكاتب، بل مفصلاً أساسياً. يُشدد لابيفيير -الذي قام بتجميع الشهادات والعوامل التي تثبت صحة روايته- على أنّ الأهداف "الإسرائيلية" في هذه المجزرة واضحة، وبصماتها لا لبس فيها، وتتمثل بداية بإزاحة أحد خصومها الأقوياء في الوسط المسيحي، ثانياً بدخول منطقة شمال لبنان عسكرياً وبشرياً بعدما دخلتها أمنياً، كما تسعى الى تعميق الخلاف داخل المسيحيين وإشعارهم بالحاجة للحماية الصهيونية، فضلاً عن إضعاف حلفاء سوريا في الوسط المسيحي عبر تصفية فرنجية. وهنا ينقل الكاتب عن مصادر التقاها في جنيف أنّ" عين الموساد وقعت على جعجع لتنفيذ مهمة اغتيال فرنجية، ونصح بشير الجميل بذلك". المصادر تؤكّد أنّ اختيار جعجع لتنفيذ المهمة جاء بناء على دراسة نفسية قام بها "الموساد" شملت شخصيات عدة في "القوات" اللبنانية حينها، فجرى اختيار جعجع كأفضل شخص يصلح لتنفيذ هذه المهمة".

اليوم، وبعد أربعة عقود على المجزرة المروعة، لا يخجل جعجع من تاريخه. بالعكس، يمارس حياته السياسية وكأن شيئاً لم يكن. لا بل يضع نصب عينيه الرئاسة الأولى، ليصدق فعلاً المثل القائل "إن لم تستح فافعل ما شئت".