الرجاء الانتظار...

عمران الزعبي.. المحامي الذي ترافع عن وطن

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-07-09 person_pinمحمد عيد placeسوريا
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

حين تشاغل العالم برواية ممجوجة عن الأظافر المقلوعة للأطفال في درعا، لم يتردد عمران الزعبي حينها في أن يقلع أظافر الشك من مخيلته ويصدح مجاهراً بصوته الشجاع مطالباً الجميع بالتروي قبل تبني الأحكام المسبقة. اعتقد كثيرون حينها بأن المحامي المتمرس بالقانون وسليل واحدة من أكبر عائلات المسلمين السنية في درعا والتي يتصل نسبها بأهل البيت الكرام قد اختار اللحظة الخاطئة للمجاهرة بموقفه السياسي خلافاً لما يفعله الآخرون، بيد أن الرجل أثبت أنه كان يسير بهدي قلبه وضميره ملتزما بسيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام حين قال بأن "الدبرة على العاصين الضالين، ظفروا أو ظفر بهم". وعليه فقد أدرك الرجل أنه هو المنتصر بانحيازه للحق والوطن بصرف النظر عما ستؤول إليه المعارك وبصرف النظر كذلك عن التهويل الكبير الذي دفع الكثيرين للقفز من سفينة الوطن اعتقاداً منهم بأنها ستغرق.

يخترع لغته

أثبتت الأيام صحة خيارات الرجل الذي شد إليه السوريين بإطلالات إعلامية تمردت على الخطاب السياسي المألوف والطاعن في نمطيته. بدا كمن يصنع لنفسه قواعد لعبة إعلامية مختلفة فينصف الآخرين من نفسه ومن أهوائه السياسية قبل أن يلزمهم بقدرته الرائعة على الإقناع والرضوخ لحجة القانون والوطن والإنسان. وعليه، لم يكن غريبا أن يكون هذا النموذج سبيله لإستلام وزارة الإعلام السورية وهو القادم إليها من خلفية مهنية مختلفة .

أولى الجدليات التي سارع الزعبي  لطرحها على الإعلام فور استلامه "أنا دائما أقول بأننا أصحاب حق لا نعرف كيف نسوقه وغيرنا صاحب باطل يسوقه بطريقة بارعة "تغير الإعلام السوري" بالقدر الذي نجح فيه الزعبي في توسيع الهامش المتاح، جولات المفاوضات مع الضالين من أبناء الوطن في جنيف وغيرها أظهرت الطبيعة الصاخبة داخل الرجل الهادئ بطبعه والذي عرف كيف يخرج استنكاره على هيئة تصريحات متهكمة تدين أولئك الذين يأتمرون بأمر مشغليهم في كل تفصيل تفاوضي صغير، فكانوا بذلك ومن حيث لا يشعرون يستنهضون فيه حس السخرية منهم وتعريتهم أمام الرأي العام السوري وفيهم بعد من جمعته بهم صلة قرابة وإن كان في الموقع الآخر من التفاوض ومن الوطن. وكان لافتا أن تخرج من الزعبي تصريحات تدعو أردوغان إلى الإستقالة بصفته "قاتلا وسفاحا ومجرم حرب.  كما كان لافتا أيضا مخاطبته لأصحاب الفتنة المتجبرين والمنتفخين كما وصفهم بلسان السنن الكونية التي لا مفر لهم من قصاصها: "أقول لأمير قطر الذي يغذي الفتنة في سوريا، لا تظلم من لا يجد عليك ناصرا غير الله". بدا الزعبي بما يقوله وبما يستشهد به مختلفا حد التميز، ومشاغبا على خصومه حد استدعاء انتباههم.

الرحيل

بعد الإعلام، أوكلت للزعبي مهمة نفض غبار الزمن عن مؤسسة الجبهة الوطنية التقدمية التي كانت مشروعا وحدويا واعدا في الربع الأخير من القرن العشرين قبل أن تصيبها عوارض الترهل، من موقعه كنائب لرئيس الجبهة حمل الزعبي أطروحاته الخلاقة الداعية إلى إعادة تأهيل هذه المؤسسة ورفدها بالأفكار الخلاقة كما قال لموقع "العهد" الأمين العام لحزب العهد المشارك في أحزاب الجبهة غسان عثمان.
 
مشاريع عديدة حملها الزعبي في جعبته. قطف ثمار بعضها ولم يمهله الزمن لجني بعض ما زرعت يداه. وإن كانت أخبار انتصارات الجيش السوري في درعا قد وصلت إلى مسامعه وواسته في لحظاته الأخيرة، لكنه رحل قبل أن يطأها مجدداً فاختاروا له قبرا في مقبرة باب الصغير إلى جوار قبور الأئمة الطاهرين. مفتي سوريا الشيخ أحمد بدر الدين حسون تساءل دون اعتراض على مشيئة الله "أيها الصادق مع نفسه، لا أدري ما السر الذي اختارك الله لأجله لتكون ضيفاً عنده في اليوم الذي أعز فيه أرضك".

رئيس مجلس الوزراء السوري السابق وائل الحلقي نعاه في حديث لموقع "العهد" بالقول: "كان رجل دولة بامتياز، وكنا نستند إلى آرائه في الكثير من المفاصل الهامة أثناء حربنا ضد الإرهاب وغيرها.

ابن عمه تيسير الزعبي من جهته رفض حديث لموقع "العهد" أن يكون العزاء على مستوى عائلة "هو عزاء على مستوى وطن، وعمران أخذ الموقف الصلب في الوقت الذي خاف فيه الآخرون وفضلوا الإرتماء في أحضان الخونة اعتقادا منهم بأن الوطن سيسقط، أما عمران الزعبي فلم يساوم على وطنيته قط".

رحل عمران الزعبي تاركاً وراءه تراثاً وطنياً حافلاً، فهو وزير الإعلام الذي اختار حجته بعناية لافتة وهو الداعم لوحدة الصف الداخلي من خلال موقعه كنائب لرئيس الجبهة الوطنية التقدمية وهو قبل هذا وذاك المحامي الذي أحسن الترافع عن قضية وطن.