الرجاء الانتظار...

’داعش’ والخلافة ’السيبرانية’

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-07-21 person_pinمحمد محمود مرتضى
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

لا شك ان العالم الافتراضي يوفر مزايا عدة تسمح لمستخدميها بنوع من اثبات الوجود، بعيدا عن وجودهم في العالم الحقيقية او عن فعاليتهم فيه. وفي هذا السياق، فان هذه ميزة تسعى التنظيمات الارهابية للاستفادة منها كلما تعرضت لخسائر او ضربات. ولعل من اهم ما تستفيد منه هذا الجماعات من العالم الافتراضي السيبراني هو صعوبة الملاحقات الأمنية، اضافة إلى عدم الحاجة لأموال كثيرة في سبيل إنشاء شبكة واسعة من الجمهور والمتابعين والمؤيدين ، فضلا عن إمكانية نشر أدبياتهم لا سيما ما يتعلق منها بما يسمونه "الخلافة الإسلامية".

ففي الوقت الذي نشهد فيه انهيار "الخلافة الداعشية" في سوريا والعراق، يسعى التنظيم الى العودة مرة أخرى، من خلال تبديل اولوياته وبرامجه، وتبني سياسات بعيدة عن الواقع وتقارب عالم الافتراض. وهي سياسات فرضتها المحاصرة الامنية والعسكرية لها، وتلقيها ضربات اصابت عامودها الفقري، ما حتم عليها للجوء الى بناء نوع من "الخلافة الافتراضية" على شبكات التوصل الاجتماعي  ومختلف الشبكات العنكبوتية.

ان اهتمام تنظيمات كـ"داعش" "والقاعدة" بالعالم الافتراضي ليس جديدا، وخاصة داعش الذي اولى اهتماما كبيرا بعالم الانترنت، وقد استطاع ان يسوق للكثير من "المشهدية الداعشية" التي افادته في حملات الاستقطاب من خلال الاعتماد على هذه الوسائل التقنية الحديثة، كما ان مجموعات افلامه التي كان ينشرها لم تكن لتشهد هذا الحجم من الانتشار لولا براعته في استغلال العالم الافتراضي من جهة، وغض الطرف الغربي، لا سيما الاميركي منه، عن هذا النشاط لأهداف باتت لا تخفى على احد من جهة أخرى.

التنظيمات الإرهابية تسعى للتحول نحو العالم الافتراضي بشكل أكبر، ليس لأجل استقطاب الشباب والمتعاطفين فحسب، بل لإيجاد ما يشبه "الوطن البديل" لأفكارها"
ومهما يكن من أمر، فان هذه التنظيمات تسعى للتحول نحو العالم الافتراضي بشكل أكبر، ليس لأجل استقطاب الشباب والمتعاطفين فحسب، بل لإيجاد ما يشبه "الوطن البديل" لأفكارها" وخلافة افتراضية مكان خلافة ضائعة. فتتصدر الدعوات الى جهاد سيبراني لا يقل أهمية عن "الجهاد الواقعي". وربما سنشهد قريبا "امراء" مواقع وحسابات ومدونات ومنتديات.

ورغم تضييق الخناق عليهم إلكترونيًّا، فن هذه الجماعات تعمل على تطوير محتوى إلكتروني بتقنية عالية؛ من أجل الوصول لأكبر عدد من المتابعين.

اذ يمكن ملاحظة الارتفاع الملحوظ في مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لهذه التنظيمات، وعلى رأسها "داعش".

ويبدو ان الاهتمام الغربي، لا سيما الاوروبي، بهذه المواقع لا ينبع من مواقف ثابتة تجاهها وانما في ان نشاطا رئيسيا من نشاطها ينذر بمخاطر تتعلق بمصالح الدول الغربية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بمحاولات تجنيد بعض الشباب في أوروبا، والبحث عن طرق أخرى للتمويل بعد خسارة المصادر النفطية.

على أن "الخلافة الافتراضية" و"الجهاد السيبراني" سيظلان مرحلة انتقالية لهذه التنظيمات لن تغني عن العمل الواقعي، لأنها مرحلة تسعى التنظيمات من خلالها المحافظة على وجودها بعد تدهور وتراجع المقدرات ومصادر التمويل ، بانتظار الفرصة المناسبة للعودة الى الواقع.

اذن تنبع اهمية هذا "الوجود الافتراضي" في انه سيؤمن لهذه التنظيمات استمرارية ما لأديباتها وخطاباتها التي يمكن أن يضربها النسيان بعد "الحلم الذي كاد يتحول الى واقع" المرتبط بإقامة "خلافة على منهاج النبوة" بحسب أديباتهم الدينية.

من هنا فان "الخلافة السيبرانية" توفر لهذه الجماعات ايجاد موطن يجمع الشباب الساخط والباحث عن مجتمع آخر موازٍ لتطلعاتهم ربما يحققون فيه طموحاتهم ولو افتراضا.

صحيح انه قد يصعب إضفاء الشرعية على هذه "الخلافة السيبرانية"، الا أن التجربة اثبتت ان اتباع هؤلاء لا يخضعون كثيرا لأحكام المنطق والعقل، بقدر ما يخضعون لسلطة "الامير" الشرعية بمعزل عن الدليل والبرهان، ولا يراقبون مواقف أمرائهم ليلحظوا التناقضات فيها، بقدر ما يلحظون حماسية الخطاب وحدّة المفردات.