الرجاء الانتظار...

اميركا تفشل في ’كسر شوكة’ الثورة الايرانية

folder_openآراء وتحليلات access_time2018-08-06 person_pinصوفيا ـ جورج حداد
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

في نهاية الحرب العالمية الثانية، وبفضل النضال الشعبي والتضحيات الجسيمة استطاعت الشعوب العربية القضاء على أشكال الاستعمار القديم الذي دام عشرات ومئات الأعوام في مختلف البلدان العربية. ولكن الامبريالية العالمية استطاعت ان تزرع الكيان اليهودي في فلسطين. الا انه في العديد من البلدان العربية، وخاصة في مصر وسوريا والعراق والجزائر، وصلت الى الحكم القوى والحركات الوطنية والقومية والتقدمية، التي كان بامكانها أن تدعم الجماهير الشعبية الفلسطينية المظلومة لاقتلاع الكيان اليهودي وتحرير فلسطين مرة والى الأبد. لكن في ظروف الاستعمار الجديد "النيوكولونياليزم" القائم على "الانفتاح" و"الصداقة" وتقديم "المساعدات" والقروض الى البلدان المستعمرة السابقة، فإن الفساد نخر أنظمة الحكم الوطنية الجديدة، التي تآكلت من داخلها وتحولت الى أنظمة دكتاتورية استبدادية متناحرة، همها الأول والأخير الاحتفاظ بالسلطة ومكاسبها و"خيراتها". ودخلت البلدان العربية في ما يسمى "عصر الردة" و"الزمن العربي الرديء"!

وجاء انتصار الثورة الوطنية الاسلامية في ايران، في 1979، ليشعل الضوء في آخر هذا النفق المظلم، وليسجل نقطة تحول في المسار الرجعي الذي فرض على حركة التحرر العربية. وطوال العقود الماضية حاولت الامبريالية العالمية والكيان الاسرائيلي والرجعية والشوفينية العربية العميلة والخائنة أن تقضي على جذوة الثورة الايرانية، من الداخل والخارج، الا أنها فشلت فشلت ذريعا.

وخلال السنوات الماضية تحولت ايران الى قاعدة راسخة للانطلاقة الجديدة للمقاومة ضد العدو الاسرائيلي وضد المؤامرات الامبريالية ولا سيما خطة تجميع الجيش التكفيري الارهابي العالمي واكتساح سوريا والعراق ومحاولة اقامة "خلافة اسلاموية" جديدة على انقاض الانظمة العربية القائمة، "خلافة" تقودها المخابرات المركزية الاميركية مباشرة. وكان دور الجمهورية الاسلامية الايرانية محورياً في مواجهة هذه المؤامرة الامبريالية ـ اليهودية العالمية.

تبين فيما بعد أن توقيع واشنطن على الاتفاقية النووية لا قيمة له

وقد شنت أميركا و"اسرائيل" وجوقتهما الغربية والعربية حملة شعواء ضد ايران بتهمة أنها تنوي تطوير برنامجها السلمي النووي لانتاج القنبلة الذرية، وتم فرض العقوبات الاقتصادية القاسية على ايران، دولة وشعبا، بذريعة هذه "التهمة على النوايا"، لاجل اخضاعها وجعلها تمتنع عن مساندة محور المقاومة والممانعة والتخلي عن مواجهة الجيش التكفيري العالمي في سوريا، لكن كل هذه المحاولات فشلت. واخيراً، وبعد مفاوضات صعبة دامت سنوات طويلة، تم سنة 2015 توقيع الاتفاقية النووية مع ايران (المعروفة باسم "6 + 1")، التي بموجبها كان من المفترض رفع العقوبات عن ايران، مما سيمكنها من استعادة نموها وازدهارها الاقتصادي. وكانت اميركا، في عهد الرئيس السابق باراك اوباما، احدى الدول الكبرى الموقعة على الاتفاقية.

لكن، تبين فيما بعد أن توقيع واشنطن على الاتفاقية النووية لا قيمة له. ولو كانت اميركا صادقة في توقيع الاتفاقية، فلماذا فرضت العقوبات الاقتصادية على ايران قبل توقيع الاتفاقية أي قبل التأكد من أن البرنامج النووي الايراني هو برنامج سلمي بالاعتراف المتكرر للوكالة الدولية للطاقة الذرية. والواقع أن أميركا كانت تمارس تجاه ايران سياسة العصا والجزرة من أجل تطويعها وتغيير نهجها السياسي والا تعرضت لكل أشكال الضغوط ولخطر اسقاط النظام الثوري الراهن. وبعد توقيع الاتفاقية والانفراج النسبي في العلاقات الايرانية ـ الغربية أملت اميركا ان تتخلى ايران عن نهجها الثوري وان تدخل "راضية" في بيت الطاعة الغربي. لكن ذلك لم يحدث. بل حدث العكس. وقد تجلى ذلك في الساحة السورية واليمن ولبنان بشكل خاص. كما تجلى في توسيع وتعميق التقارب بين ايران من جهة وبين روسيا والصين من جهة ثانية.

هنا، علينا التوقف عند نقطة هامة جداً، وهي: أن الذي يحكم أميركا ويدير السياسة الاميركية ليس "السعادين" القابعين في قيادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي البيت الابيض والكونغرس والبنتاغون والـ"سي آي ايه". فهؤلاء ليسوا سوى دمى و"كراكوزات" تضعهم وتنزعهم حسب الظروف، حكومة سرية عميقة هي التي تحكم فعليا أميركا. وهذه الحكومة العميقة هي الاداة الدولوية المركزية للطغمة المالية الاميركية ـ العالمية العليا، اليهودية، الماسونية، البروتستانتية، الكاثوليكية.

الحكومة الاميركية العميقة "تطنش" عن امتلاك باكستان والهند للقنابل الذرية والصواريخ بعيدة المدى، وهي تستفيد من ذلك في ترهيب البلدين أحدهما بالآخر وفي تطويع بقية بلدان المنطقة. وهي ـ اي الحكومة العميقة الاميركية ـ على استعداد "للتطنيش" عن امتلاك ايران للقنبلة الذرية والصواريخ بعيدة المدى، فيما لو كانت ايران غير معادية للامبريالية الاميركية. بل ان اميركا تستفيد من ذلك في جعل البلدان التابعة لها في المنطقة أكثر تبعية وطواعية. وما يهم اميركا وحكومتها العميقة هو دفع ايران لتغيير نهجها الثوري، ان بواسطة العصا أو بواسطة الجزرة.

وبعد انتهاء "كرنفال" انتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، جاؤوا بالمهرج دونالد ترامب الى البيت الابيض. وعلى الفور بدأ هذا المهرج، بالتعاون مع جوقته التي تضم صهره اليهودي كوشنير وجون بولتون وميلانيا وايفانكا بالاضافة الى محمد بن سلمان وغيره من الأتباع في السعودية والامارات وقطر، بدأ في آداء الدور المنوط به وهو العمل على كسر هيبة ومعنويات العالم العربي والاسلامي و"ترويض" الثورة الفلسطينية والثورة الايرانية والمقاومة الوطنية الاسلامية اللبنانية بقيادة حزب الله.

وكان أول قرار اتخذه ترامب على هذا الصعيد هو مرسوم المصادقة على قرار الكونغرس الصادر في 1996 بنقل السفارة الاميركية الى القدس المحتلة، خلافا لجميع قرارات الامم المتحدة ذاتها حول فلسطين والقدس وعودة اللاجئين واعادة الاراضي العربية المحتلة في 1967. القرار الاستفزازي الثاني الذي اتخذه ترامب هو قرار الانسحاب من الاتفاقية النووية مع ايران والاعلان عن تشديد العقوبات عليها وحتى فرض العقوبات على الدول والشركات التي تواصل العلاقات مع ايران. وهدد ترامب انه سيجري تخفيض صادرات النفط الايرانية الى الصفر أي عمليا: التدمير التام للاقتصاد الايراني. وانعكس ذلك على الفور على السوق المالية الايرانية، فانهار سعر صرف العملة الوطنية وارتفعت نسبة التضخم بشكل دراماتيكي وارتفعت كلفة المعيشة.

ايران ردت على ذلك بأنه اذا تم منع تصدير النفط الايراني فإنها ستعمد الى منع تصدير الطاقة عبر مضيق هرمز. وحسبما يقول الخبراء فإن أكثر من 80% من النفط والغاز المستهلك في العالم يمر عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب. وايران تمتلك القدرة التكنولوجيا العسكرية لاغلاق المضيقين. وهذا يعني الشلل التام للاقتصاد العالمي (باستثناء روسيا والصين لوقوعهما في المقلب الاخر)، أي أنه يعني الانتقال من نطاق التضييق الاقتصادي الى نطاق الحرب المباشرة بين ايران من جهة، وبين اميركا والكيان الاسرائيلي وحلفائهما من جهة ثانية. اي اننا نقف على اعتاب حرب عالمية اذا خرجت الامور عن السيطرة.

وقد ردت روسيا والصين أنهما لن تتخليا عن تعاملهما التجاري والاقتصادي الطبيعي مع ايران ولن تتقيدا بـ"الممنوعات" الاميركية. كما انهما لن تقفا مكتوفتي الأيدي اذا وقعت الحرب، لان الذي يمكن أن يضرب ايران اليوم سوف يضرب روسيا والصين في اليوم التالي.
واذا وضعنا جانبا مناورات ترامب واعلانه عن استعداده للقاء مع القادة الايرانيين في أي مكان وزمان يريدون من اجل البحث في امكانية عقد اتفاقية نووية جديدة "افضل" من الحالية وردود القادة الايرانيين، ونظرنا فقط في الجانب العسكري، يمكن القول:

الجمهورية الاسلامية الايرانية تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ المضادة الجديدة والمجددة

1- أميركا تمتلك قوة عسكرية صخمة (الى جانب القنابل النووية الاميركية والاسرائيلية)، وفضلا عن حاملات الطائرات والقوات البحرية في الاقليم فهي تمتلك القواعد العسكرية الضخمة التي تحيط بايران من كل جانب في السعودية وقطر وافغانستان وبحر قزوين والبلقان وجزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. ومن حيث الأسلحة، يتبجح بعض الخبراء العسكريين الاميركيين بالقول أن اميركا تمتلك ترسانة كبرى من الصواريخ المجنحة والقنابل الثقيلة الذكية التي توجه عن بعد، وانها يمكنها اصابة 10.000هدف محدد مسبقا في موجة واحدة في غضون بضع ساعات فقط. كما تمتلك القنابل الطنيّة فائقة الوزن من طراز МОР و МОАВ والقوة التفجيرية لهذه القنابل هي هائلة جدا وتحدث زلزالا بقوة عالية على مقياس ريختر ويدمر مدنا كاملة في دائرة قطرها عشرات الكيلومرات، ولهذا تعتبر من اسلحة الدمار الشامل مع انها غير نووية. وهذا طبعا غير الاسلحة النووية والكيماوية والجرثومية. وتحمل القنابل الطنية فائقة الوزن الطائرات القاذفة الاستراتيجية من طراز В-2 التي كيّفت كي تحمل كل طائرة قنبلتين من هذا النوع. ولا تحتاج القاذفات الاستراتيجية للدخول في المجال الجوي الايراني بل هي يمكنها ان تقصف عن بعد مئات أو آلاف الكيلومترات.

ولا شك ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ المضادة، الروسية والصينية، الاصلية والمعدلة، والايرانية الجديدة والمجددة.

2- اذا تجردنا عن جعجعة ترامب وبهلوانياته ونظرنا الى اوضاع الكيان الاسرائيلي الواقعية نكتشف ما يلي: في زمن الجعجعة والديماغوجية للدكتاتورية في بعض البلدان العربية، كانت "اسرائيل" في أحسن حالاتها، "ترغي وتزبد" وهي في وضعية الهجوم وقادرة على تدمير ثلاثة جيوش عربية معا في بضع ساعات. أما الآن فقد تغير الحال، وانتقلت عادة الجعجعة من الانظمة العربية الثورية المنحرفة الى الكيان الاسرائيلي. وانتقل كيان العدو من وضعية الهجوم الى وضعية "الدفاع": يبني جدران الفصل العنصري، ويعلن "يهودية" الدولة اليهودية (ماذا كانت حتى الان؟) ويبني القبب الحديدية وينشر شبكات الصواريخ المضادة للصواريخ ويضاعف أعداد الملاجئ ولا يعرف كيف سيواجه صواريخ حزب الله وتستغيث لانقاذها حتى من الطائرات الفلسطينية الورقية الحارقة. واليوم، مع وجود الثورة الايرانية، وازدياد قوة وتجربة حزب الله والمقاومة المسلحة والشعبية الفلسطينية، ومع تحول الارض السورية الى عمق استراتيجي للمقاومة وجسر عبور بين لبنان المقاوم والعراق وايران، نقول: مع هذه المعطيات الاستراتيجية الهامة فإن "اسرائيل" تصبح رهينة في قبضة محور المقاومة. أي أنها تصبح "الخاصرة الرخوة" للطاغوت الاميركي.

ان لسان حال الطغمة المالية اليهودية العالمية يقول: اذا خسرنا "اسرائيل"، سنخسر كل شيء. فماذا ينفع اليهود اذا ربحوا العالم وخسروا "اسرائيل"؟ هذه هي اليوم نقطة الضعف الرئيسية الاميركية، التي ينبغي الامساك بها وتشديد الخناق عليها.