الرجاء الانتظار...

 

عدوان تموز 2006: تهاوى الإعلام وبقيت كفّ زينب

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-08-07 person_pinلنا العزير
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

غالبا ما تكون الحروب مصحوبة بمصطلح "الأزمة" وما يعنيه هذا المصطلح من تخبّط لدى المجتمعات يفقدها نوعاً من احترازها في التعبير، بل ويثير فيها رغبة البوح بما تخفيه على قاعدة "الموت سيلحق بالجميع ولن يكون هناك من يحاسب"، لذا تجد الناس أكثر تقرباً من مبادئها الأساسية التي انشغلت عنها بفعل تراخي السلم وزيف المجاملات، فالمؤمن يشتدّ تقرّبا من معتقده، والخصم يصبح أكثر استعدادا لإظهار خصومته.

حرب تموز 2006 جاءت بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية في14 شباط/ فبراير 2005، وما أثير في قضية اغتياله من حرب شعواء ضد حزب الله وسوريا، وعليه قُسم البلد في حينها بين 8 آذار و14 آذار بما يعنيه هذا الإنقسام الجوهري لا السياسي المؤسساتي. هو انقسام مبدئي حول هوية البلد.

هذا الإنقسام لم يكن ضوضاء أو ثائرة غضب، كان تمحوراً فعليا للخيارات السياسية الداخلية في البلد مع ما تمثله من امتدادات خارجية ومصالح متقاطعة إقليميا ودوليا، وجد له مرتعا خصبا في الإعلام اللبناني، تحولت معه الوسائل الإعلامية إلى منابر متنازعة كلّ منها لديه رسالة محدّدة يعنيها. وبقياس الرسالة الإعلامية إلى الجهة المالكة أو المسيطرة على الوسيلة الإعلامية، عملت هذه الوسائل بالإتجاه الذي يبلغ بها الغاية المرسومة لها في ظل ما تملك من إمكانيات ودعم وثغرات قانونية، وبهذا تفاوتت الرسائل الإعلامية في تغطية هذا الحدث.

ومن ذاكرة الحرب، وفي ترحالنا المتكرر أثناء القصف الإسرائيلي الشرس على الكثير من المناطق اللبنانية بين الجنوب والبقاع والضاحية، كنا في رحلتنا الثانية قصدنا البقاع بعد بيروت الغربية، واضطررنا أن نعبر المناطق الجبلية بسبب قطع طريق ضهر البيدر بفعل القصف. وفي طريقنا، بدأ صوت القصف يخفت كلما ابتعدنا عن الضاحية الجنوبية وتتلاشى معه مظاهر الحرب، التي لم تعد موجودة إلا في مذياع السيارة، يتلو مناطق القصف وأعداد الضحايا من المدنيين، وفي كل خبر تتساقط لأحدهم أحبّة وذكريات مع البيوت كان المذياع بصوته المرتفع، يفرض علينا حالة من ترقّب لأسماء المناطق التي تتعرض للقصف، خشية أن يفوتنا تفصيلة فيها قريب أو حبيب نال منه القصف. وفي إحدى القرى الجبلية، ازدحم السير فعاد القلق ليطغى على صوت المذياع، وأتت الأصوات المرتفعة من خارج السيارة لتشدّ الجميع لمعرفة ما يحصل. هو زفاف والعروس تُطل مع عريسها من سيارتهما المكشوفة، حيث تصدح أبواقها ابتهاجا. ربما حينها كانت الصدمة الأخيرة التي تلقيناها في الحرب، فكل ما تبقى كان صورة عن هذا الإنتقال السريع بين الموت والاحتفال في منطقتين لبنانيتين لديهما الدستور نفسه الذي يكرّس الإسرائيلي عدواً ويمنح المقاومة حقّا شرعيا للدفاع عن الأرض والشعب، ولن يكون أصعب الانتقال بين وسيلتين إعلاميتين تخضعان للدستور نفسه ولميلين متضادّين، فالصورة نتاج هذا الجمع سواء كان أزمة أم احتفالا.

عند الحديث عن الإعلام في الحرب، أو الأزمة، يرنو المراقب إلى قراءة الدور الذي لعبه الإعلام في إدارة هذه الأزمة، سواء في التغطية الإخبارية، أو في دوره بتشكيل ثقافة ورأي عام للخروج من هذه الأزمة، مع مراعاة الخطوط الحمراء في وضع المصلحة الوطنية فوق كل الإعتبارات.

يكفي أن ترصد الإعلام اللبناني في خضم الأزمة، ومعك آلام الحرب وذكرياتها، وصورة وطنٍ يفترسه عدو، وعائلات منتشرة في أخطار مختلفة من نقاط الوطن، وما تتوقعه كإنسان من التفاف وطني حول المقاومة الشعبية بوجه حرب يشنها عدو ضد أرضه وشعبه، وما تترقّبه أيضا من حياكة المواقف المفترضة حيال هذه الأزمة، تجمع إعادة هيكلة وطنك كلها بجوارك، والتحليلات الإقليمية وآثار هذه الحرب في انقلاب المعادلات الدولية العسكرية والسياسية، وتأتي إلى موطنك لترى كيف لاقى هذا الحدث موضعه في صوت وصورة الإعلام اللبناني، لتجد خيبتك تماما بحجم تلك الأهوال التي جمعتها بجوارك. لمن يعرف أحداث ما قبل الحرب وانقساماتها، وطبيعة هذه الإنقسامات التي كانت نهجاً وليس خلافا سياسيا، لم تشكل صورة تموز في الإعلام اللبناني دهشة له، إذ كانت الصورة أقرب للواقع ما قبل الحرب بما فيها من انقسامات وقرارات سياسية محسومة لم تستطع سياسة "الحياد" إخفاءها.
 
الحديث عن الموضوعية الإعلامية بشكل عام كمن يتحدّث عن عدالة قوة تتسع للكون لا سلطة تؤثر فيه، ولا قربى له من أي من مخلوقاته تميز أحدها عن الآخر . أما عندما تتحدث عن الإعلام المملوك من جهات ودول ومؤسسات ورجال أعمال فأنت لا تستعرض رسالة لمؤسسات خيرية بنت عرشها على جناح يمامة بيضاء تجوب الأرض بحثا لتنشر السلام، هي مؤسسات تخضع بسياساتها ورسالتها الإعلامية لتوجهات مؤسسيها سواءا كانت دول أو جهات أو رؤوس أموال.

قناة المنار " أم الصبي " وقناة الميادين والتي لم تكن أثناء الحرب أعادتا إلى الواجهة ذكرى هذه الحرب بانتصاراتها وبعض الأسرار عن عملية الأسر
وفي الحديث عن لبنان تحديدا، لا سيما في تلك الفترة 2006، ليس خافياً على أحد مدى الإنقسام الحادّ بين فئاته السياسية الممثلة والمتمثلة بامتدادات خارجية، وما لقاءات عوكر وما أفضته وثائق وكيليكس من مطالبات بعض الجهات الرسمية اللبنانية باستمرار الحرب على فئة لبنانية أخرى إلا وجه وقح لحال الإنقسام في الهوية الوطنية لهذا الشعب، بين مقاومة وتآمر مع العدو ضد المقاومة.
 هذا كلّه انعكس في الرسالة الإعلامية اللبنانية التي كانت تنقل الأحداث بخلفياتها السياسية بشكل يختلف كثيراً عن ما كان في الاعتداءات الصهيونية السابقة على لبنان.

اتسقت بعض المحطّات اللبنانية بالموقف الكامل للمقاومة، من حيث الإنجازات العسكرية، الرسائل الإعلامية (كخطاب السيد حسن نصر الله ورسالة المجاهدين)، نقل الرسائل الشعبية التي تدعم المقاومة العسكرية لهذا العدوان، في حين اكتفت الوسائل الإعلامية الأخرى بالإشارة إلى المجازر بحق المدنيين ونقل الأخبار عن الوسائل الأجنبية والإسرائيلية المتعلقة بـ"خسائر" المقاومة، وهو نسق يُعرف بالحرب النفسية الإعلامية أثناء الحرب، بالتآمر.

اليوم ، وبعد اثنتي عشر عاما على انقضاء الحرب، بهت الدّم العالق على جدران الذاكرة اللبنانية ، وتلاشى أثره من ذاكرة إعلامِ وُضع قهراً حينها في موقف ناقل الإعتداء الإسرائيلي على استحياء ، وما تبقى من نصر وألم كان في صفحات الذين اعتبروا منذ اللحظة الأولى أهل المقاومة وقرابينها . لذا نجد وفي ذكرى هذه الحرب ، قناة المنار " أم الصبي " وقناة الميادين والتي لم تكن أثناء الحرب ، أعادتا إلى الواجهة ذكرى هذه الحرب بانتصاراتها وبعض الأسرار عن عملية الأسر التي وُصفت بالبطولية ، وساندتهما صحيفة الأخبار اللبنانية في ملفاتها عن الحرب والدور الإعلامي والعسكري المعجزة للمقاومة في حينها . بينما غابت الحرب من مشهدية الإعلام المتبقي ، تماما كمن أزاح عن ظهره واجب العزاء في خصمه السياسي وعاد إلى منبره ليستكمل التهجم عليه.

في تموز اتّسعت منافذ الغربال ليتساقط المزيد من الإعلام بمهنيته ووطنيته وقضاياه
أما الإعلام المقاوم المعروف بتوجهه، شهد هذا العام قفزة نوعية في استذكار هذه الحرب، سواءا في الضخ الإعلامي المتواتر بمختلف أشكاله، من مقابلات وبرامج وأفلام وثائقية وملفات في الصحيفة، أو من حيث المضمون الذي قدّمته هذه الوسائل، وهو بمعظمه كشف عن جوانب جديدة للحرب ، بدءا من عملية الأسر مرورا بيوميات المقاومة والحرب ، وصولا إلى آثار هذه الحرب على المعادلات الإقليمية ، قد يكون سبب هذا الكشف المتأخر ، هو ما يحصل في سوريا وترافق انتصارها مع تاريخ نصر تموز 2006 ، أو ربما غياب أبرز أبطال هذه العملية حيث بات مصرّحاً بكشف أحداثها للإعلام .

إلى ذلك ، بات الإعلام اليوم بحداثته وسرعته أكثر تطلبا لما هو جديد وشيّق ، وربما استطاعت وسائل الإعلام المقاومة تلبية هذه الرغبة لدى جمهورها ، فضلا عن رأي يقول استراتيجي يقول ، أن الكشف عن أسرار عمل أمني أو عسكري ما للإعلام ، يعني أن القدرات المخبوءة في جعبة الكاشف باتت تفوق ما كُشف بكثير .

في تموز اتّسعت منافذ الغربال ليتساقط المزيد من الإعلام بمهنيته ووطنيته وقضاياه، وفي تموز أيضا بقيت كفّ زينب قانا فوق الركام، لم يستطع الغبار أن يعمي العيون عن عزف أصابعها في الريح لتُخبر الكون بحقيقة همجية الإسرائيلي، وتستدعي إليها كل ضمير حي يُمسك قلما ويصنع مشهداٌ ليؤرّخ الحقيقة .