الرجاء الانتظار...

معركة تحرير الجرود

ذكرى انتصار تموز2006

الحراك الشعبي بين الواقعي والإفتراضي

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-08-08 person_pinظافر رمضان placeلبنان
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

لطالما اعتُبرت التحركات المطلبية من قبل الشعب، كعاملٍ من عوامل الحراك الاجتماعي، الوسيلة الأكثر فعالية لتحقيق المكاسب المحقة التي يسعى إليها المواطنون، إذ تُترجم هذه التحركات عبر طرق عديدة أبرزها الاضرابات والتظاهرات والاعتصامات كما الثورات التي تجمع بين طياتها مختلف الشرائح من عامة الشعب.

فالحراك الاجتماعي "Social Movements" يوصف بأنه محاولات مجتمعية لتشجيع أو رفضِ تغييرٍ ما داخل المجتمع. ويرى "بتريم سوركين" أن الحراك الاجتماعي يرتبط بمستوى الفرد الاجتماعي والاقتصادي وقدرته على الانتقال بين هذه المستويات، والبعض الآخر يرى أن الحراك الاجتماعي هو الصيغة التي توضّح قدرة المجتمع على تمكين أفراده من التغلب على الحواجز التي يصنعها التميز بينهم، فهي التي يؤمن للفرد فرص التكافؤ في الإرتقاء الإجتماعي.

أبرز الحركات الاحتجاجية على سبيل المثال لا الحصر كانت في العام 1936 بمواجهة حكومة الاحتلال الفرنسي
كما ان التحولات السياسية ترفع قابلية المجتمع لإتاحة هوامش الحركة للأفراد، فهي بيئة خصبة لارتفاع وتيرة الحراك، وبالتالي ترتفع وتيرة الاضطرابات والتظاهرات والثورات لتحقيق التنمية والتقدم داخل المجتمع. ويعتبر "هابرماس" ان المشاركة السياسية والديمقراطية بصورتها التقليدية ليست كافية للوصول الى قرار جماعي عبر العمل الحزبي فقط، بل تحتاج الى تفعيل التجمعات والهيئات المجتمعية وحراكها الشعبي.

أما المجال العام الذي يُصوّره "هابرماس" كمكان افتراضي أو حيّزٍ إجتماعي حقيقي يُنشِئُه الأفراد من مختلف شرائح المجتمع عبر تفاعلهم الاجتماعي مع بعضهم البعض، فيثير افراد المجتمع من خلاله الحراك الذي يتولّد، كالتظاهر والاضرابات وغيرها، والذي يحقق الصالح العام عبر التأثير في القرارات السياسية، فيتشكل بذلك "الرأي العام". ولم تذهب "أرندت" أبعد عن ذلك، إذ تعتبر أن الحراك الاجتماعي هو قدرة الفعل في المجال العام بغية خلق وهندسة العالم الذي يتقاسمه المواطنون.

يزخر تاريخ لبنان الحديث كمسرحٍ لهذا الحراك الشعبي منذ نشأته، مروراً في فترة السبعينيات من القرن الماضي قُبيل الحرب الأهلية، والذي شهدت نشاطاً لافتاً للحركة الطلابية، وصولاً الى الوقت الراهن.  ومن أبرز الحركات الاحتجاجية، على سبيل المثال لا الحصر، كانت في العام 1936 حيث انطلقت الحركة العمالية النقابية، في مواجهة حكومة الاحتلال الفرنسي أبان الفترة الممهدة للاستقلال، عن طريق الإضرابات والمواجهات العمالية حيث استطاعت في العام 1946 استصدار "قانون العمل"، أي بعد عشر سنوات من نضالها.

أما في العام 1953 عندما كانت النقابات تطالب بإقرار "الضمان الاجتماعي"، استطاعت بعد عشر سنوات إرغام السلطة على إقرار نظام الضمان الاجتماعي الذي بدأ العمل به في العام 1965. وقد أعقب هذا التحركات تظاهرة لنقابة مزارعي التبغ في العام 1973، وقد اضطرت الحكومة بعد الضغوط السياسية من قبل بعض قادة الاحزاب الى السماح بالتظاهرة، وقد سقط خلالها المزارع حسن الحايك أمام مؤسسة "الريجي" في منطقة النبطية جنوب لبنان.

التظاهرة التي اعتُبرت الأضخم كانت في العام 1974 والتي عُرِفت بتظاهرة "الرغيف"، حيث احتشد عشرات الآلاف من المتظاهرين من كل المناطق في ساحة بشارة الخوري، فكانت رفضاً لزيادة سعر ربطة الخبز وصفيحة البنزين.
 

في العام 1975 انطلقت تظاهرة صيادي الاسماك رفضاً لتشريع الدولة منح شركة "بروتيين" امتيازاً لصيد الأسماك بواسطة البواخر الحديثة مهدِّدةً بذلك مصير الصيادين وقطعِ أرزاقهم
قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975 انطلقت تظاهرة صيادي الاسماك والتي استُشهد خلالها المناضل معروف سعد، والتي بحسب بعض المراقبين كانت من أسباب انطلاق الحرب الاهلية اللبنانية. كانت رفضاً لتشريع الدولة منح شركة "بروتيين" امتيازاً لصيد الأسماك بواسطة البواخر الحديثة مهدِّدةً بذلك مصير الصيادين وقطعِ أرزاقهم. وقد اختُتِمت بذلك المرحلة التي سبقت الحرب الأهلية.

إنطوت صفحة الحرب الاهلية، والتي تخللها تظاهرات عديدة رفضاً للاقتتال الداخلي الحاصل دون تغيير فعلي، فبدأت الدولة باستعادة زمام المبادرة وتفعيل عمل المؤسسات الرسمية بعد انجاز "اتفاق الطائف". ومع إعادة تفعيل عجلة الحراك الاجتماعي شهدت ضاحية بيروت الجنوبية في العام 1993 تظاهرة شعبية احتجاجاً على توقيع اتفاق "أوسلو"، فسقط خلالها شهداء وأصيب العشرات بجراح، معظمهم من المؤيدين لحزب الله وبينهم نساء، برصاص الجيش اللبناني، وقد تم استيعاب تلك الصدمة بعد تحرك المعنيين في الحزب لتجنيب البلاد حرباً اهلية ثانية، حيث أصدرت قيادة الجيش آنذاك بياناً بأن "التحقيقات جارية بأقصى الجدية والسرعة لكشف ملابسات ما حصل وتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات المناسبة".

مع نهوض المؤسسات الرسمية أكثر فأكثر وتصاعد وتيرة العمل السياسي، بدأ العمل للسيطرة على الاتحادات والنقابات منطلق الحراك الشعبي، فأصاب الاتحاد العمالي العام انقسامٌ في العام 1997 تحت وطأة الانقسام السياسي والاصطفافات الطائفية، فاتجه الى الانكفاء مع بقاء صورته غير الفاعلة.

أخذت صورة الانقسام السياسي والشعبي الحاد في التبلور أكثر فأكثر عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط من العام 2005 وخروج القوات السورية من لبنان في نيسان من العام نفسه، فكانت تلك الاحداث المفصل في انقسام المجتمع تحت وطأة الضغوط السياسية الطائفية، ذروتها في التظاهرات المليونية لفريقي 8 و 14 آذار، لم تفضِ الى نتيجة تغييريةٍ فاعلة.

كان لفعاليات الحراك الاجتماعي أثر مهم في الحياة اللبنانية قبل الحرب، ولكنها ارتبطت بعد الاحداث السياسية التي عصفت بلبنان، كنتيجة للحرب الاهلية
فبحسب بعض المراقبين، كان لفعاليات الحراك الاجتماعي أثر مهم في الحياة اللبنانية قبل الحرب، ولكنها ارتبطت بعد الاحداث السياسية التي عصفت بلبنان، كنتيجة للحرب الاهلية، أكثر فأكثر مع حركة العمل الحزبي كقاعدة للعمل السياسي في لبنان، إذ تُشير بعض الآراء الى ان هذه الحركات تأثرت بطبيعة نظام لبنان السياسي الطائفي.
أصبح الحراك مرتبط ارتباطاً عضوياً بحركة الأحزاب السياسية التي تسعى الى تحقيق الاهداف التي تطمح إليها، إما تطابقاً مع المطالب الشعبية أو تطابقاً مع اهداف وغايات الأحزاب نفسها ومكوناتها الاجتماعية، مما أضعف من فعالية الحركات العفوية الشعبية أو النقابات والهيئات التنسيقية الاخرى "المستقلة" الى حدٍ ما. إلا انه بالرغم من ذلك نجحت تحرّكات اساتذة التعليم في هيئة التنسيق النقابية، بعد ان نُظّمت التظاهرات لتصحيح الأجور "سلسلة الرتب والرواتب"، إذ استطاعت الهيئة حشد الآلاف في شوارع العاصمة بيروت في العامين 2013 و2014، نجحت في تحصيل جزءٍ من المطالب التي تسعى إليها عبر سنوات من النضال. وفي الفترة نفسها، برزت على الساحة اللبنانية بعض المجموعات، أبان أزمة النفايات ومطاميرها والفساد المرتبط بهما في العام 2015، إذ تصاعدت مطالبها وصولاً الى اسقاط النظام ولكن دون مفاعيل تغييرية واضحة، وقد أُثيرت آنذاك شبهات عديدة حول بعض المجموعات تلك.

منذ بزوغ فجر الحراك الاجتماعي، وعلى مر السنين، لم تُترك وسيلة أو آداة إلا وتم استخدامها، في سبيل تفعيل وتطوير عملية الحراك وصولاً الى بناء حيّزٍ أكثر فعالية لتحقيق ما تصبو إليه. فالبريد والفاكس والهاتف كانوا من ضمن الأدوات الأكثر استخداماً في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها، وصولاً الى حلول عصر الإنترنت في لبنان ما بعد الحرب في العام 1994، حيث انحصر العمل عليه بداية من قبل بعض المختصين بالحاسوب.

لاحقاً، وبحسب الاحصاءات التي تُعنى بعالم الانترنت، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في لبنان بحلول عام 2006 حوالي 700 الف مستخدم، حيث أصبحت المنتديات الحوارية على الشبكة العنكبوتية أو ما يعرف بالـ "Forums" بالإضافة الى خدمة البريد الإلكتروني في متناول الافراد المشاركين في الحراك الشعبي. فأصبحت الجلسات الحوارية، الترويج للشعارات، التعبئة والحشد أكثر فعالية على الشبكة العنكبوتية خصوصاً مع انتشار الإنترنت في لبنان أكثر فأكثر. ومع ظهور ما يُعرف بـ"شبكات التواصل الاجتماعي"، "الفيسبوك" في العام 2004 و "الواتسأب" في العام 2009، إزداد عدد مستخدمي الانترنت خصوصاً مع توفّر الهواتف الذكية وتوفر خدمة الانترنت، ليصبح حوالي 80% من اللبنانيين يستخدمون الانترنت في حلول العام 2015، وأبرز استخداماتهم "شبكات التواصل الاجتماعي".
 

استطاعت مغريات "شبكات التواصل الاجتماعي" وخدماتها المجانية بفرض نفسها على الساحة، إذ استطاع كل فرد بالنفاذ الى العالم الافتراضي مع إمكانية تحويل شبكات التواصل تلك الى نافذة له
لقد استطاعت مغريات "شبكات التواصل الاجتماعي" وخدماتها المجانية بفرض نفسها على الساحة، إذ استطاع كل فرد بالنفاذ الى العالم الافتراضي مع إمكانية تحويل شبكات التواصل تلك الى نافذة له، فانكسر احتكار الاعلام والاعلان من قبل المحطات المرئية والمسموعة والمكتوبة سابقاً مع تحول شبكات التواصل الاجتماعي الى منبرٍ حر، بأدنى حد من الرقابة المسبقة عليه، إذ يكفي للفرد الواحد أن يمتلك هاتفاً أو حاسوباً وخدمة إنترنت، فيقوم ببث كل ما يخطر بباله وبعدة طرق كالمنشور أو التسجيل أو حتى النقل المباشر صوتاً وصورة، وغيرها من الامور الاخرى، فتصل لمن يرغب من متلقي العالم الافتراضي في لبنان والعالم بسرعة قياسية.

وبحكم سرعة النشر والتلقّي لشبكات التواصل الاجتماعي، أصاب الحراك التقليدي تحولٌ جديد، إن كان على صعيد التخطيط أو الضبط والأهداف والتطبيق وصولاً الى آليات وأدوات العمل، حيث أصبح بإمكاننا أن نطلق عليه مصطلح "الحراك الشعبي الافتراضي".

تمكنت شبكات التواصل الاجتماعي من تقويض العمل التقليدي للحراك الشعبي، فحصرت الكثير من حراكها داخل جدران هذه الشبكات مع غيابٍ لافتٍ لمظاهر الحراك الحقيقي التي تميّز بها الشارع اللبناني، إذ يكتفي المشاركون بالجلوس خلف حواسيبهم أو حاملين لهواتفهم الذكية يبحرون في فضائِه الافتراضي على الشبكة العنكبوتية، ينتظرون ساعة الصفر لانطلاق الحراك، فيقومون تارة بالتظاهرة وطوراً بإطلاق الشعارات والهتافات وذلك "إفتراضياً" عبر منشوراتهم وتغريداتهم، فيسجّلون تضامنهم مع القضايا المطلبية على جدران صفحات "الفيسبوك" و"الواتسأب"، آملين ان تكون الطبقة السياسية التي تتحكم بحياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على اطّلاع على "حراكهم الافتراضي"، والتي غالباً لا تعبَأ بها.

أصبح الفرد نفسه النواة لإطلاق حركة احتجاجية من منبره الحر "الفيسبوك"، يروّج لها بين الاعضاء المنضوين في عالمه الافتراضي
لم تقتصر الأمور على ذلك فقط، إذ أصبح الفرد نفسه النواة لإطلاق حركة احتجاجية من منبره الحر "الفيسبوك"، يروّج لها بين الاعضاء المنضوين في عالمه الافتراضي، مطلقاً الشعارات التي يراها مناسبة. وبفعل سهولة الانتشار وسرعتها على الشبكة الافتراضية تنشط حملة وهمية احتجاجية على مطلبٍ ما، تنتشر إما بشكلٍ محدودٍ أو على نطاقٍ أوسعٍ بحسب نشاطه الافتراضي الذي يمتلكه، سرعان ما تخبو هذه الحركة، إما بسبب غياب التنسيق والتخطيط المسبق لها أو مدى فهم وأحقية أبعاد المطالب المنشودة نفسها بشكل أساس، ليتم المسارعة الى مطلب آخر وبالمجريات نفسها، ما تسبب فوضى ممنهجة بشكل لا إرادي.

لا شك بأن الهيئات التنسيقة والنقابية والعمالية ما زالت بدرجة ما فاعلة على الساحة اللبنانية، مستفيدة من شبكات التواصل الاجتماعي، إن من ناحية الحشد والضبط والتنسيق، في سبيل تحقيق الاهداف التي تسعى إليها. إلا ان السؤال الذي يفرض نفسه، هل تستطيع هذه الهيئات الاستمرار بحراكها على الساحة اللبنانية بشكلٍ فعّال في ظل هذا التراجع الذي نشهده على مستوى المشاركة الحقيقية لها من قبل المواطنين، وذلك لصالح "الحراك الافتراضي" على شبكات التواصل الاجتماعي؟

ظافر رمضان

باحث اجتماعي
مقالات لنفس الكاتب
اخبار متعلقة