الرجاء الانتظار...

 

أين تكمن القيمة التاريخية في إنتصار تموز 2006 ؟

folder_openآراء وتحليلات access_time2018-08-09 person_pinشارل أبي نادر - عميد متقاعد
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

يعيش لبنان هذه الأيام بشكل عام وحزب الله بشكل خاص أجواء ذكرى حرب تموز عام 2006، تلك الحرب التي انتصر فيها الحزب على العدو الاسرائيلي، في مواجهة غير متكافئة، في القدرات والامكانيات والأسلحة، وذلك بالرغم من أن جميع المحللين والمراقبين العسكريين حينها، توقعوا العكس (مبدئياً)، استناداً للمسار الطبيعي والمنطقي لمعادلات المعارك، والذي درجت عليه تقريباً نتائج أغلب المواجهات العسكرية عبر التاريخ.

صحيح أنه قد مر على تلك الحرب (12 عاما)، ثابر خلالها حزب الله على الاحتفال السنوي بذكرى الانتصار فيها، وحيث كانت دائما تتنوع صور ومظاهر الاحتفالات، لتضيء على جميع أوجه ونتائج وأبعاد الانتصار، عسكرياً ووطنيا واستراتيجياً، وعلى غير ذلك مما يمكن ربطه بالحرب وبهزيمة العدو الاسرائيلي، ربما ستحمل الذكرى هذا العام، أو ستكشف بدلالاتها مع ما يجري في منطقتنا، القيمة التاريخية لانتصار تموز عام 2006 ؛ فأين تكمن هذه القيمة التاريخية لهذا الانتصار التاريخي؟

أولاً:

تتزامن الذكرى هذا العام مع تحقيق الجيش العربي السوري انتصاراً كبيراً في الحرب الواسعة التي شُنّت ضده منذ أكثر من سبع سنوات. حرب كونية اشتركت فيها عشرات الدول الاقليمية والغربية، بطريقة مباشرة عبر وحداتها العسكرية الخاصة وعبر قدراتها الذكية، في الدبلوماسية وفي الإعلام وفي النفوذ الدولي، وبطريقة غير مباشرة عبر تمويل وتسليح وتدريب وإدارة جحافل الارهابيين المحليين والأجانب، والذين استقدموهم من كافة أصقاع الدنيا الى سوريا.
 
... والنتيجة ثبات الدولة السورية وانتصارها (مدعومة من حلفاء أوفياء) في معركة غير متكافئة، بمواجهة نصف العالم تقريباً، وحيث تستجمع هذه الدولة اليوم أغلب عناصر القوة لديها، تكتمل لديها تقريباً صورة الدولة القادرة، كما كانت قبل الحرب وربما أقوى.  

ثانياً:

تتزامن ذكرى انتصار تموز 2006 هذا العام ايضاً، مع تحقيق الجيش واللجان الشعبية وأنصار الله في اليمن الجريح، أقوى وأغرب انتصار عبر التاريخ، وأيضاً في معركة لا تحمل بتاتا اأي عنصر من عناصر التكافؤ، في الأسلحة والامكانيات المادية والعسكرية والتقنية، بمواجهة تحالف اقليمي وغربي، لا يختلف كثيراً عن التحالف ضد سوريا، لا بل ربما هو نفسه تقريباً.

... أيضاً، وبظاهرة فريدة في تاريخ المعارك القديمة والحديثة، صمد وثبت اليمنيون، وبقدراتهم الذاتية: وجدانياً وفكريا وميدانيا وعسكريا ،  فرضوا وخلقوا معادلات جديدة في التفاوض والقتال والتكتيك وفي تطوير الأسلحة. وفي منظومة توازن الرعب ومعادلة الردع برعوا في  إختيار الاهداف الاستراتيجية، واليوم أصبح يُحسب لهم حساب على الصعيد الدولي، وها هم على الطريق لتثبيت وفرض وانتزاع حقوقهم التاريخية والطبيعية في السيادة والسلطة والوجود.

وهكذا كان انتصار تموز 2006 حلقة أولى في مسلسل من الانتصارات غيرالمألوفة تاريخياً، مسلسل انطلق من وادي الحجير وعيتا الشعب وبنت جبيل ومن غيرها، من الكثير من تلك المناطق المشابهة في الجغرافيا والروح والهواء والنفس والوجدان والتراب، والابناء طبعاً، مسلسل إكتمل اليوم مع الجيش العربي السوري في حلب وفي تدمر ودير الزور ودرعا والقنيطرة، والسويداء طبعا، مسلسل يكتمل  اليوم مع الجيش واللجان الشعبية وانصار الله في اليمن،  في مأرب وصعدة وميدي وحرض والحديدية والدريهمي والبيضا ... وغيرها طبعا.

وتبقى القيمة التاريخية لانتصار تموز 2006 ، أنه انتصار بدأ في لبنان مع كسر شوكة وغطرسة العدو الاسرائيلي وصورته الزائفة بان جيشه لا يُقهر، واكتمل في سوريا مع كسرهيبة تحالف دولي واسع، فشل وعجز في فرض معادلة تغيير نظام وقيادة واركان دولة بالقوة وبالضغط العنيف، ويكتمل في اليمن اليوم مع تمريغ أنف عدوانٍ غاشمٍ في الوحل، لا يعرف من الحرب ومن المعارك الاً شراء وعرض وتكديس الاسلحة المتطورة، ولا يفقه العلاقات الدولية الاّ بشراء الذمم والنفوس والحكومات .

والأهم في ذلك كله، في تاريخية انتصار تموز، أثبت  هذا الانتصار أن عناصر الصمود والنصر في المعارك والحروب، لا يمكن حصرها فقط بالقوة العسكرية والمادية أو بالنفوذ السياسي والديبلوماسي والدولي، بل هي في أمكنة أخرى غير منظورة، لا يمكن تحديدها ورؤيتها مادياً، انها مجموعة من الاحاسيس والقدرات الخفية، اولها الايمان بالله، وثانيها التشبث بالحق وثالثها الثقة بالنفس.