الرجاء الانتظار...

أوروبا المسكونة بهاجس اللجوء والتفتت

folder_openآراء وتحليلات access_time2018-08-10 person_pinسركيس ابو زيد
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

تبدو أزمة اللجوء بمثابة قنبلة تھز أركان القارة الأوروبية، في ظل تحوّل السلطة أو الكلمة الرئيسية في عدد من بلدانھا لصالح الشعبويين. فالاتحاد الأوروبي يبدو عاجزا ومشلولا، وأزمة اللاجئين فضحت ھذا العجز، فانقسم الأعضاء الـ 28 بين كارھين  للأجانب ولكل القيم الإنسانية التي يدعي الاتحاد قيامه على أساسھا من جھة، وبين مسؤولين يحاولون الحفاظ على ماء وجه ھذه القيم الإنسانية لفرض سياسة أوروبية موحدة من جھة أخرى.

في الواقع، ليست ھناك أزمة تشق صف الدول الـ 28 الأعضاء بالاتحاد الأوروبي كما تفعل أزمة اللاجئين حاليا وما تثيره ھذه الأزمة من مخاوف. فزعماء الاتحاد الأوروبي وصلوا إلى اتفاق في شأن الھجرة بعد محادثات فوضوية استمرت حوالى 10 ساعات في قمة بروكسل التي جرت مؤخراً حول القضية الحساسة التي تھدد وحدتھم ومنطقة حرية التنقل، ووضعت المفوضية الأوروبية مسودة أولى لمشروع الاتفاق الذي نوقش في القمة، وضمنته إجراءات لتعديل نظام اللجوء من ناحية، وأخرى لمراقبة مشتركة للحدود الخارجية وتقاسم الأعباء بين الدول . ھذا الاتفاق جاء وسط صعوبات إيجاد حلول لمشكلة الھجرة التي تحولت إلى أزمة سياسية داخل دول الاتحاد الأوروبي، ووسط تحذيرات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أن مستقبل أوروبا بات على المحك في أزمة الھجرة، لافتة إلى أن "كثيراً من التحديات المرتبطة بالمسألة قد تقرر مصير الاتحاد الأوروبي".

رئيس المجلس الأوروبي، رئيس القمة دونالد تاسك، حذر من عواقب فشل الاتحاد في حماية حدوده الخارجية وإدارة تدفق الھجرة غير الشرعية. وقال وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني :"إن الاتحاد الأوروبي يواجه مشكلة وجود، وربما يتفتت في غضون الـ 12 شھرا المقبلة". ويتزعم سالفيني حزب "الرابطة" اليميني المتطرف، ومن بين حلفائه الأوروبيين رئيس الوزراء المجري  فيكتور أوروبان، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لو بان وحزب "البديل من أجل ألمانيا"  المناھض للاتحاد الأوروبي.

وبعد مناقشات حامية توصلت الدول الأعضاء إلى اتفاق وسط حول مجموعة من الإجراءات الھادفة إلى التخفيف من حدة التوتر المتصاعد حول ملف الھجرة تتضمن إقامة مراكز داخل الاتحاد الأوروبي يُنقل إليھا المھاجرون الذين يُنقذون في عرض البحر، للتفريق بين أولئك الذين يحق لھم طلب اللجوء السياسي ومن يُعرفون بالمھاجرين الاقتصاديين الذين يُعادون إلى بلدانھم، فيما يُوزع طالبو اللجوء على الدول الأوروبية التي تتطوّع لاستقبالھم. ولكل بلد أوروبي أن يقرر طوعا استضافة أحد ھذه المراكز، مما يلغي نظام الحصص الإلزامية لتوزيع المھاجرين التي نص عليھا اتفاق دبلن، ويرضي الدول التي ترفض استقبال أي لاجئ أو مھاجر غير شرعي. كما تم التوافق على تكليف المفوضية العليا للاجئين تفعيل فكرة إقامة مراكز الاستقبال التي يعتزم الاتحاد الأوروبي تمويلھا خارج حدوده، والتحرك سريعا للنظر في ھذه الفكرة بالتعاون الوثيق مع البلدان ذات الصلة، ومع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للھجرة.

رغم الارتياح في ما خص اتفاق"الالتزام الطوعي" في سياسة الھجرة الأوروبية، التي تم التوصل إليھا خلال القمة الأوروبية، إلا أن الاتفاق الأوروبي يتعرض لكثير من الشكوك والانتقادات، حيث يرى المنتقدون في الاتفاق تراجعا في الالتزام بحقوق الإنسان، وأسف ھؤلاء لرؤية أن سياسات أوروبا تقوم اليوم على رمي المسؤولية وليس تحمّلھا حين يتعلق الأمر بالبشر. المشكلة الأخرى، في اتفاق "طواعية التنفيذ"، في ما يخص تحديد الحركة الثانوية لطالبي اللجوء بين دول الاتحاد بإنشاء "معسكرات مغلقة" .

في الحقيقية، ما يثير قلق بعض معسكر السياسة في أوروبا، أن القارة بدأت تركع أمام اكتساح الفكر الشعبوي لخلق قلعة أوروبية مغلقة. ويرى ھؤلاء أن المنتصر، بفرض صيغة "التزام طوعي" .

فملف الھجرة أصبح قضية سياسية ملتھبة، لكن الأھم من ذلك أنه أصبح "حصان طروادة" للحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة التي وجدت فيه مطية مناسبة لاقتحام حصون الأحزاب الأوروبية التقليدية، وولوج البرلمانات عبر بوابة الانتخابات وشعارات التخويف من المھاجرين القادمين لسرقة الوظائف وتھديد النسيج الاجتماعي والثقافي لأوروبا. وبالطبع لم تتردد ھذه الحركات في النفخ في موجة "الإسلاموفوبيا". فماتيو سالفيني، يمثل وجه اليمين المتطرف والشعبوي الصاعد في أوروبا، وحديثه عن رابطة تجمع ھذه الحركات يعكس الطموحات المتزايدة لھذه الحركات التي ترى في الأوضاع الاقتصادية المھتزة، وفي ملف الھجرة، والضغوط على الاتحاد الأوروبي، فرصة سانحة لكي تعزز من أوضاعھا على حساب الأحزاب التقليدية، خصوصا وھي ترى خطابھا يؤثر في مركز قيادات مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي واجھت أزمة داخل تكتلھا الحاكم من وزير داخليتھا الذي يطالب بتشديد قيود الھجرة لأن حزبه يواجه تھديدا انتخابيا من صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي.

ھذه الأزمة ھي الامتحان الأكبر لكيان الاتحاد الأوروبي منذ قيامه، وتھدد بإغراقه في بحر الخلافات حول الھجرة، ففي الداخل قوى سياسية قومية النزعة ترى في الوحدة الأوروبية خطراً على الھويات الوطينة وتسعى لاستغلال قضية الھجرة كوسيلة لترسيخ نفوذھا والوصول إلى السلطة في العديد من الدول الأوروبية، الأمر الذي يھدد الاتحاد الأوروبي على المدى المنظور باحتمال خروج دول أخرى منه، اقتداء ببريطانيا .

ومن الواضح أن أزمة الھجرة نحو أوروبا لا يبدو أنھا في طور النھاية، لأن ھناك من لا يريد لقضية الھجرة في أوروبا أن تھدأ، فأوروبا قد تكون لديھا مخاوف مشروعة من الھجرة غير الشرعية، لكن الطريقة التي تجري بھا معالجة الملف الآن تھدف لحلول سريعة ووقتية بدلا من التصدي لجذور القضية بمعالجات لبؤر التوتر والحروب، ومبادرات جدية وعملية  في مناطق الكوارث والفقر.