الرجاء الانتظار...

التنظيمات التكفيرية واختراق القبائل في إفريقيا

folder_openآراء وتحليلات access_time2018-08-17 person_pinمحمد محمود مرتضى
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

سعت التنظيمات التكفيرية إلى محاولة التغلغل داخل المكونات القبليَّة في أفريقيا نظرا لأهمية المكون القبلي فيها، وذلك بهدف استغلال خبرة القبائل التي تنتشر في المناطق الحدوديَّة الهشة، من أجل تهريب مقاتلين بهدف ايجاد مصادر تمويلية، أو السعي لجعل القبائل حواضن اجتماعية تمد هذه التنظيمات بمقاتلين جدد.

لكن ثمة نظرة أخرى تعتبر أن تجذر القبلية في الواقع الأفريقي جعلها بمثابة حائط صدّ أمام تغلغل هذه التنظيمات في العمق الأفريقي، نظرًا لقدرة القبيلة على فرض أعرافها وقيمها، ووجود رموز يمتلكون القدرة على فرض سطوتهم على أبناء القبائل، ما يجعلها أقرب إلى دعم الدولة في مواجهة تنظيمات الارهاب.

ورغم ذلك، فإن تحالفات بعض القبائل المنتشرة في المناطق الأفريقية مع عدد من التنظيمات بدأت في التشكل مع تزايد هذه التنظيمات وانقسامها ومحاولة نشر أفكارها داخل البيئات الأقل حظًا في التنمية، وهو الأمر الذى تجلى في علاقة حركة بوكو حرام النيجيرية وقبائل الهوسا، حتى يكاد يكون معظم أفراد الجماعة وقياداتها من الهوسا، والعلاقة بين إمارة الصحراء الكبرى التابعة للقاعدة، وقبائل البرابيش، وبين حركة أنصار الدين، وعدد من المنتسبين لقبائل العرب والطوارق في إقليم أزواد في مالي.

لقد أسهمت العديد من العوامل في بروز المكون القبلي كأحد الحواضن الاجتماعية التي استغلتها التنظيمات الإرهابية في أفريقيا، ويمكن إبراز أهم هذه العوامل في التالي:

1- التهميش الاقتصادي:

لا يمكن عزل تمدد الجماعات الإرهابية عن عوامل التهميش السياسي والاقتصادي

لا يمكن عزل تمدد الجماعات الإرهابية عن عوامل التهميش السياسي والاقتصادي والصراعات القبلية والإثنية في كثير من الدول الأفريقية التي فشلت حكوماتها بعد الاستقلال في استغلال مواردها الطبيعية الاستغلال الأمثل، بما جعلها تخفق في احتواء النزاعات الداخلية التي تم توظيفها من قبل التنظيمات الإرهابية للتغلغل داخل المناطق التي تعاني من التهميش والفقر؛ فعلى سبيل المثال تعد نيجيريا أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، إلا أن غالبية سكانها وبخاصة في الشمال تقع تحت خط الفقر، وهو الأمر الذي شكل بيئة حاضنة للترويج لأفكار جماعة بوكو حرام، التي لم تقتصر فقط في استقطابها لعناصر جديدة على الداخل النيجيري بل امتد إلى دول مجاورة شكلت أيضًا هدفًا لعملياتها.

2- تداخل الأبعاد القبلية والتطرف الديني:

شكل ضعف الدولة الأفريقية لاسيما في المناطق الحدودية التي تعاني من غياب الأجهزة والمؤسسات الأمنية أحد العوامل التي ساعدت على تنامي الارتباط ما بين الجماعات الإرهابية والقبائل الأفريقية، وهو الأمر الذي جعل اتجاهات عديدة تصف الإرهاب في أفريقيا بـالإرهاب الهجين الذي تجاوزت ملامحه الفهم المختزل للتنظيمات الجهادية، إذ لا تهدف الأنشطة الإرهابية إلى تحقيق غايات دينية فحسب، ولكنها تتشابك أيضًا مع الهيمنة القبلية.

ولعل تحالف جماعة أنصار الدين بقيادة "إياد أغ غالي"، مِن قبيلة "الإيفوغاس" الطوارقية، مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عام 2012 عكس تشابك التطرف الديني مع العوامل القبلية في مالي، وبالتالي فإن بروز تنظيمات إرهابية، مثل: جماعة بوكو حرام في شمال شرقي نيجيريا، أو جماعة "أنصار الإسلام" في شمال بوركينا فاسو، أو تلك التي تسمي نفسها "الجهادية" في شمال مالي، جاء نتاج سياقات متداخلة من التهميش التنموي، والاجتماعي مع مأزق الهوية الدينية في هذه المناطق الأفريقية التي شهدت تعثر الدولة ما بعد الاستقلال.

3- انتشار الفساد:

رغم أن موارد الدول الأفريقية تتميز بالوفرة كالنفط، واليورانيوم، والذهب، والأراضي الزراعية الشاسعة ، الا هذه الموارد تحولت على مدى عقود إلى أيدي نخب سياسية وقبلية بعينها، تحت وطأة الزبائنية السياسية، وهيمنة القبلية على مؤسسات الدولة الأفريقية، وكذلك انتشار نماذج للديمقراطية الهشة.

4- التنافس بين التنظيمات الإرهابية:

بدأت أفريقيا تتحول إلى مسرح تنافس ممتد بين تنظيمي داعش والقاعدة

بدأت أفريقيا تتحول إلى مسرح تنافس ممتد بين تنظيمي داعش والقاعدة، فرغم الاختراقات التي حققها داعش في دول القارة، إلا أن تنظيم القاعدة لايزال يحظى بولاء العديد من التنظيمات المسلحة في أفريقيا مثل القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، وحركة الشباب في الصومال، وجماعة المرابطين في شمال مالي وجنوب ليبيا، ويعرف هذا التنافس تصاعدًا ملحوظًا بسبب عدم اعتراف أي من الطرفين بشرعية الطرف الآخر ومحاولة التفوق عليه.

لذلك انعكس التنافس بين القاعدة وداعش على كسب ولاء أبناء القبائل للانضمام إلى فروعهما، لاسيما أن داعش يسعى إلى إيجاد ملاذات بديلة بعد هزيمته في معاقله الرئيسية في سوريا والعراق.

5- رفض التدخلات الخارجية:

هناك تنافس دولي عسكري للوجود في الساحل الأفريقي، سواء من الولايات المتحدة عبر قاعدة أغاديز في شمال النيجر، أو إعلان إيطاليا إرسال قوة عسكرية إلى النيجر، أو حتى ألمانيا وبريطانيا اللتين تسعيان للتواجد، سواء في النيجر أو مالي عبر الدعم اللوجستي العسكري، في ظل ترابط مكافحة تهديد الإرهاب مع الهجرة غير المشروعة القادمة من أفريقيا إلى أوروبا، هذا الامر جعل من التدخلات الغربية في عدد من الدول الأفريقية عاجزة عن انتاج أنظمة حكومية قوية وقادرة على بسط نفوذها، وقد أدى ذلك إلى تأجيج النقمة على السلطة واعتبارها متخاذلة ومتحالفة مع "الكفار" وفق أدبيات هذه التنظيمات وفى مقدمتها تنظيم القاعدة؛ لذلك وجدت بعض القبائل الأفريقية تبريرات لدعم هذه الجماعات التي سعت لتوظيف خطابها الذي تُسميه بـ"الجهادي" لكسب أكبر عدد من شباب القبائل الأفريقية.