الرجاء الانتظار...

’تل الزعتر’.. ذاكرة المجزرة والبطولة

folder_openتحقيقات access_time2018-08-18 person_pinهيثم ابو الغزلان
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

لوّن الدم كل شيء في مخيم "تل الزعتر" للاجئين الفلسطينيين الذي أقيم على أرض الوقف الماروني على مساحة قدرها 56 دونماً في عام 1949. لم يشفع للمخيم وأهله وجوده في الجزء الشرقي من العاصمة اللبنانية بيروت، ولعلها "لعنة المكان" التي ساعدت على "القضاء" عليه وهو الذي كان يقع بين الحازمية والمنصورية وسن الفيل والأشرفية.

هناك التهمت النار كل الأرض؛ من تحت سكانه، من فوقهم، ومن كل الجهات.. رصاص يحصد كل من في المخيم... وكان القتلة يقطعون الماء.. يحصون الأنفاس.. يمنعون الهواء.. ويتفنّنون في ذبح من تبقى..

وفي يوم 12 آب 1976 قتل المجرمون ما بين 3 و4 آلاف عربي، حيث لم تكن حكايات "بقر البطون وإلقاء الرُّضّع على الأرض من فوق السيارات، والقتل بالسواطير من نسج الخيال"، بل وقائع دامغة على أفعال المجرمين.

مراحل المجزرة

حُوصر مخيم "تل الزعتر" الذي كان يضم 31 ألف نسمة، منهم 17 ألف فلسطيني، نزحوا من 77 قرية ومدينة فلسطينية، و14 ألف لبناني وبعض الجنسيات العربية الأخرى، سنة ونصف السنة، وذلك بعد حادثة باص عين الرمانة الشهيرة في 13/4/1975.

 

يقول الكاتب الفلسطيني وشاهد العيان ياسر علي: "في تمام الساعة العاشرة من صبيحة يوم، 12 آب 1976، كانت المجزرة في مراحلها الأخيرة.

قبل ذلك انتقلنا عبر فتحات الجدران التي كان المقاتلون يستخدمونها، وعند أول إطلالة على "مقاتلي" الكتائب ـ اللبنانية، أطلقوا النار فوقنا.

ظنّ أخي جلال أنهم استهدفونا وقتلونا، فانطلق ركضًا إلى داخل المخيم مرة أخرى، وأجبرونا على سلوك طريق طويلة قصدوا منها أن يكون مرورنا بين البيوت والمباني، حيث أطلّ السكان يتفرجون على "استسلامنا" الذي أسموه "موكب النصر" (تماما كما فعل اليهود بأهالي ضحايا مجزرة دير ياسين في شوارع القدس).

لقد بدأت المجزرة ببطء، ثم توحّشت بالمواكب التي تلتنا.. إن المشهد الذي لا يغيب عن بالي، هو انتقامهم من أهالي المقاتلين، فربطوا أرجلهم بسيارات انطلقت باتجاه معاكس، وفلخوا أجسادهم أنصافاً (مثل أبو علي سالم، ورجل من عائلة فريجة).

جمعونا في ساحة الفندقية بالدكوانة، بعد مسير طويل، كان يمكن اختصاره بعشر دقائق.

ياسر علي امام منزله المدمر في تل الزعتر


وجاء أمين الجميل وبعض السياسيين للإشراف على إخلاء السكان، وجاءت الشاحنات من مختلف الأحجام لتنقلنا، وبدأنا نصعد تحت صراخ المسلحين الموجودين وأزيز الرصاص في الهواء، والرعب المخيّم علينا.. مات عشرات الأطفال اختناقًا في الشاحنات".

ويضيف علي: "حملتنا الشاحنات إلى دار المعلمين في المدينة الرياضية في بيروت الغربية. وجلسنا أنا وأخي أكرم على "البقجة" التي حملتها أمي طوال الطريق...

كنا طفلين على "بقجة" ننتظر أخانا المفقود، يُطفئنا العطش، والعرق يبللنا، والجوع يأكلنا.. والمصورون يتجولون بيننا يلتقطون صور وجوهنا المشحّرة من طول الرحلة"..

ظل المقاومون يدافعون عن المخيم لمنع القوات "الانعزالية" من الدخول إليه، واستشهد العديد منهم. وبعد أن تمكنت الميليشيات من دخول المخيم

ويروي الطبيب الفلسطيني الذي كان محاصرًا في "تل الزعتر"، عبد العزيز اللبدي في كتابه: "حكايتي مع تل الزعتر" حكاية خروج الأهالي من المخيم المحاصر: "في 12-8-1976، خرجت الناس من ثلاثة محاور: "هناك من توجه إلى الدكوانة عن طريق الخروبة، فتلقفتهم عناصر الكتائب وقتلوا كل الذكور الذين تجاوزت أعمارهم الثانية عشرة.. وهناك من توجه غرباً من معمل جورج غرة إلى تلة القيادة العامّة ثم إلى سلاف؛ وكان بانتظارهم مجموعات الباش مارون خوري، وقتلت أعداداً كبيرة منهم... وعند حاجز المسلحين السريان، تمت تصفية كل الرجال والشباب.. هناك من توجه نحو الجنوب، عن طريق معمل البلاط دوار المكلس،... تلقفتهم مجموعات حراس الأرز والأحرار، فقتلوا جميع الرجال والنساء والأطفال"..

ويوضّح اللبدي: "ظل المقاومون يدافعون عن المخيم لمنع القوات "الانعزالية" من الدخول إليه، واستشهد العديد منهم. وبعد أن تمكنت الميليشيات من دخول المخيم، حرقوا البيوت وذبحوا الجرحى والمرضى في المستشفى، في حين تمكّن بعض المقاتلين من الخروج والنجاة، رغم المخاطر الكبيرة التي واجهوها".

رواية الصمود

.. ولكن مع هول المجزرة التي ارتكبتها "القوى الانعزالية"، والصمود الأسطوري لأهالي المخيم ومقاوميه، يتساءل البعض: هل تم التدوين المنظم لذاكرة مخيم تل الزعتر؟

يقول الكاتب الفلسطيني وشاهد العيان ياسر علي: "هناك العديد من الكتب التي صدرت عن تجربة مخيم تل الزعتر؛ فقبل الحصار صدرت دراسة اجتماعية عن المخيم للكاتب "هاني مندس". وبعد الحصار، صدر عن الاعلام الموحد توثيقًا لشهادات الناجين. والفيلم الوثائقي الذي أخرجه "مصطفى أبو علي" و"جان شمعون".

 

ثم صدر كتابان لطبيبي المخيم "عبد العزيز اللبدي" و"يوسف العراقي".. وتبعهما كتاب "أبو أحمد الزعتر"، وعدة كتب لشهود المجزرة.

ثم صدر منذ عشر سنوات، كتاب "حسين فارس"، عن المخيم والحصار والمجزرة. وفي زمن الفضائيات تم إنتاج عدد من الوثائقيات في "الجزيرة" و"العربية" وغيرهما. فضلًا عن عشرات صفحات الفيسبوك التي تتابع أخبار المخيم".

ويتساءل الكاتب الفلسطيني الدكتور "ظافر الخطيب": "عن مصير المئات من الشبان والرجال الذين شقّوا طريقهم وفق مبدأ (عسكري دبّر راسك)؟ هل قتلوا ومن قتلهم؟ أين هي رفاتهم؟ هل من حق الفلسطينيين وتحديدًا أبناء "تل الزعتر" معرفة الحقيقة؟ مهمة مَن جمع المعلومات عن حقيقة ما حصل؟ ما هي الرواية الفلسطينية التي يمكن استخدامها في مواجهة رواية الآخرين؟".
 

ما تبقى من منازل عقب المجزرة

أبناء مخيم "تل الزعتر" أبدوا حيوية لافتة في استحضار الذاكرة

ويذكر الخطيب أن "أبناء مخيم "تل الزعتر" أبدوا حيوية لافتة في استحضار الذاكرة وهم بذلك إنما يعملون على ملء الفراغ الناشىء عن غياب المؤسسات الرسمية الفلسطينية التي يقع عليها مهمة جمع الوثائق وحفظ كافة المعلومات عن حقيقة ما حصل في المخيم ودراسة النتائج المترتبة على سقوط "تل الزعتر"، خصوصًا لجهة النتائج التي لا زالت تفعل فعلها في منطقة اللاوعي لتنتج في مفاعليها انكفاءً عن كل ما هو وطني جامع، على اعتبار أن سقوط "تل الزعتر" وقبله تدمير مخيم النبطية أسس لظاهرة الإنكشاف، وبالتالي أعطى نتائج بعيدة المدى لا زالت حتى الآن بعيدة عن مستوى الاهتمام المباشر أو غير المباشر".

وحثّ الخطيب "الجهات والمرجعيات المعنية من أجل التفكير الجدي بأهمية تحفيز الدراسات البحثية وإقامة مراكز بحثية فلسطينية تعنى وتهتم بجمع المعلومات التي تحمل آلام الحقيقة، وإلى حين حصول ذلك، فإن ذلك لا يمنع من الإصرار على طرح الفكرة حتى تصير حقيقة قائمة بحد ذاتها، وحتى يصير ذلك ممكناً تظل جهود أبناء "تل الزعتر" في نبش الذاكرة بحثاً عن الرواية الفلسطينية، جهودًا أكثر من رائعة".

..وبين المجزرة المروعة والصمود الأسطوري للأهالي في مخيم "تل الزعتر"، تظل الذكرى تجلد القتلة، ويبقى التساؤل: متى العقاب؟!!