الرجاء الانتظار...

المواجهة التركية ـ الأمريكية إلى أين؟

folder_openآراء وتحليلات access_time2018-09-01 person_pinسركيس ابو زيد placeتركيا
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

بينما كانت الأنظار تتجه الى إيران الواقعة تحت عقوبات أميركية مشددة، جاءت المفاجأة من تركيا التي تأثرت سريعًا بالحملة الأميركية وشهدت ملامح انهيار مالي ونقدي مع التراجع المثير في وضع عملتها، وملامح تحوّل في سياستها وعلاقاتها الخارجية، أو على الأقل تهديد بإحداث مثل هذه التحوّل.

العلاقات التركية ـ الأميركية دخلت مرحلة غير مسبوقة من التوتر والتصعيد، على خلفية تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عقوبات واسعة على تركيا إذا لم تطلق سراح القس الأميركي المحتجز لديها أندرو برونسون والمتهم بالتجسس ودعم الإرهاب. قضية احتجاز برونسون ليست سوى رأس جبل الجليد الذي يخفي كمّاً هائلا من التباينات والخلافات التي تعتمل بين الولايات المتحدة وتركيا، والتي تلقي بثقلها على العلاقات بين الطرفين، ويرجح احتمالات أن تطول الأزمة التي اندلعت مع واشنطن على خلفية الكثير من الملفات ومنها:

ـ المحاولة الانقلابية الفاشلة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 15 تموز/ يوليو 2016.

ـ العلاقة الأميركية الوثيقة مع "وحدات حماية الشعب" الكردية السورية التي تعتبرها أنقرة النسخة السورية لحزب العمال الكردستاني.

ـ عودة الدفء في العلاقات التركية الروسية، بعد الانفتاح التركي على روسيا والتنسيق المشترك معها في سوريا بعيدا عن الولايات المتحدة، والتي كانت من نتائجها عقد صفقة بين الطرفين تبيع موسكو بموجبها تركيا منظومة صواريخ أرض ـ جو من طراز "إس 400" المتطورة، فضلا عن التعاقد مع موسكو لبناء مفاعل نووي لتوليد الطاقة.

ـ رفض تركيا الاستجابة لمطلب أميركي يقضي بالانضمام الى نظام العقوبات الأميركية على إيران، معلنة بصراحة بأنها لن تقطع العلاقات التجارية مع طهران بناء على أوامر دولة أخرى.

تُعدّ قضية القس الأميركي أندرو برونسون الفتيل الذي أشعل الأزمة بين أنقرة وواشنطن
وزادت اشتعالاً بينهما بسبب قضية القس الأميركي أندرو برانسون، الذي يحاكم في تركيا بتهم دعم الإرهاب والتجسس. وتُعدّ قضية القس الأميركي أندرو برونسون الفتيل الذي أشعل الأزمة بين أنقرة وواشنطن، وقد بدأت قبل نحو شهر مع تهديد الرئيس ترامب بإجراءات اقتصادية صارمة ضد تركيا، سرعان ما بدأ بتطبيقها برفع الضرائب الجمركية على صادرات الفولاذ والألومنيوم التركيين إلى الولايات المتحدة، وسط توقعات بعقوبات على الشركات والبنوك التركية التي تعاملت وتتعامل مع إيران.

ويتوقع محللون لعدد من وسائل الإعلام الأميركية أن الرئيس ترامب، الذي شارك شخصيا في تنمية العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا، يشعر بأنه تعرض للخيانة ويريد الانتقام. ترامب في البداية أعطى إردوغان علامات مرتفعة جداً من الإعجاب، فهو معجب بالرجال الأقوياء. لكن الأزمة بين مؤسسات البلدين قديمة وتدهورت مؤخراً، لأن ترامب اعتقد أنه توصل إلى اتفاق مع إردوغان على هامش قمة الدول السبع. طلب إردوغان أن يستغل ترامب نفوذه لدى بنيامين نتنياهو كي يطلق سراح سيدة تركية، ابرو أوزكان، سجنتها إسرائيل لعملها مع حركة حماس. حصل ما أراده إردوغان، وانتظر ترامب أن يفي إردوغان بوعده ويطلق سراح القس الأميركي المسجون منذ عام 2016 ، فما كان من إردوغان إلا أن أودعه في الإقامة الجبرية. هذا ما دفع ترامب إلى التصويب على إردوغان، ووضع ملف القس أندرو برانسون والعلاقة الأميركية ـ التركية بين يديه.
ولكن هناك مسؤولون أميركيون يحذرون ترامب من التصعيد المتزايد وتعميق الخلاف في العلاقة بين البلدين، مثل وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الذي عارض فكرة وقف تسليم تركيا الطائرات المقاتلة f35 . فأنقرة تعد شريكا جيوسياسيا حاسما وحجر زاوية في حلف الناتو، كما أن قاعدة إنجيرليك الجوية في جنوب تركيا هي نقطة انطلاق رئيسية لعدد من العمليات في الشرق الأوسط .

يقول خبراء في الشؤون التركية إنه رغم ما سببه التوتر مع الولايات المتحدة من تبعات اقتصادية، إلا أن للأزمة التي تعصف بتركيا اليوم أسباباً أخرى، تتقدمها الديون التي زادت على 460 مليار دولار، بعدما تهربت الأوساط الأجنبية من منح أنقرة أي قروض جديدة، رغم قرار الحكومة رفع أسعار الفائدة المصرفية. يُضاف إلى ذلك قلق المستثمرين الأجانب من مستقبل تركيا، بعدما أصبح إردوغان الحاكم المطلق للبلاد، وعيّن صهره وزيراً للمالية، إذ اعتبرت الأوساط المالية تلك الإجراءات إشارة مهمة إلى تدخل أردوغان المحتمل الدائم في قرارات البنك المركزي، وهو ما أدى إلى انعدام ثقة الأوساط المالية الأجنبية بإجراءات وزير المالية، في ظل غياب الثقة أيضاً بالقضاء في حال نشوب أي خلاف محتمل مع الدولة.

وعلى رغم تشعب الخلافات وتصاعد وتيرتها بينهما، لا تزال واشنطن وأنقرة حريصتين على كبح جماحها حتى لا تؤثر سلباً على شراكتهما الاستراتيجية، التي ما برحا يعوّلان عليها في مناح مصلحية شتى، خصوصاً لجهة الحيلولة دون انطلاق أنقرة أبعد من اللازم في تقاربها الاستراتيجي المريب مع موسكو. وصحيح أن اللقاءات الدبلوماسية والعسكرية الرفيعة المستوى التي أجراها مسؤولون كبار من البلدين في الفترة الأخيرة لم تتوصل الى تبديد الأزمة بينهما كليا، والاتفاق على إستراتيجية مشتركة أمر صعب المنال حالياً.

من المستبعد أن تصل الأزمة إلى درجة الصدام، وليس من السهولة القول إن العلاقة الأميركية  التركية في نقطة اللاعودة أو أن أنقرة في طريقها الى تحول استراتيجي في علاقاتها. والفكرة القائلة بإمكان انتقال تركيا من حلف شمال الأطلسي الى الحلف الأوراسي الذي تشكل روسيا ركيزته الأساسية، لا تزال بعيدة من أرض الواقع. وتركيا لن تتجه إلى تحالف إستراتيجي مع الكرملين، ولن تعترف بشبه جزيرة القرم جزءا من روسيا. أما فيما يتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، ستحاول أنقرة الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن، ولكنها مع ذلك لن تقبل التنازل أمام واشنطن ولن تعمل على إظهار المزيد من التناقضات مع النخبة الأمريكية.