الرجاء الانتظار...

نحو تحوّل المقاومة من انحياز وجداني لواقع سياسي

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-09-03 person_pinإيهاب شوقي*
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

في حين تبدو المنظمات الدولية الكبرى في حالة ارتباك لإنقاذ ما يمكن انقاذه من شرعيتها، وتبدو القوى الكبرى في حالة استيعاب للأوضاع الجديدة على الارض في جبهات التنازع على الهيمنة بخططها القديمة وتحديثاتها والتي تتعرض لفشل بسبب التفاعلات على الارض وبفضل المقاومة للهيمنة، تبدو الشعوب في حالة من التيه والألم وتقطع السبل وافتقاد البوصلة.

ويبدو ان السبب الرئس في حالة التيه هو خوض طرق وهمية تصورت الشعوب انها طرق حقيقية، بسبب تشابه ارضها وجوانبها وعلامات السير، ثم سرعان ما اكتشفت أنها طرق مسدودة أو تنتهي الى شفا جرف هار!

نعم، بعد فترات من التحرر الوطني ووجود خيار المقاومة كخيار أصيل، تحولت المقاومة بفعل السياسة الى خيار فرعي وبديل، ثم تدريجيا أصبحت على المستوى الرسمي، خياراً عبثياً!

بالمقابل، كانت المهادنة خياراً عبثياً، ثم تحولت بفعل السياسة الى خيار فرعي، الى أن وصلت لتصبح رسمياً هي الخيار الأصيل!

كانت المهادنة خياراً عبثياً، ثم تحولت بفعل السياسة الى خيار فرعي، الى أن وصلت لتصبح رسمياً هي الخيار الأصيل!

ما بين هذه التحولات، حدثت تفاعلات أخرى زيفت الواقع. فحدثت ثورات زائفة ارتدت أقنعة الثورات الحقيقية وكانت نتائجها كارثية، وفقدت الجماهير ثقتها بالثورات، بل وتشوهت مضامين الثورة واتسخت سمعتها، لتصبح مرادفا للمؤامرة والخراب!

كما ارتدت المفاوضات على الحقوق وما صاحبها من تنازلات عن الثوابت، أقنعة السلام، مما جعل مفهوم السلام مفهوما مشبوها، وأصبح إلحاق اسمه بأي مؤسسة أو جهة مرادفاً للشبهة والتطبيع!

افتقاد المسميات لدلالتها وتحولها من مسميات راسخة لمصطلحات حديثة تحمل دلالات منافية للأصل، خلق مناخا من الارتباك، كان اول انعكاساته على الشعوب هو افتقاد البوصلة، بسبب ضياع القطب الذي يضبط اتجاهها.

والوضع الحالي الدولي، يبدو متسقا، حيث تتبدل التوازنات وهناك مخاض عالمي عسير وخطر، ينتظر مولودا جديدا، على غرار ما شهده في مخاضات سابقة، مثل الاستعمار العسكري أو استبداله بالناعم، وانعكاسات ذلك الاقتصادية على غرار التراكم الرأسمالي المباشر أوالعولمة، كما يشمل جدلاً شعبياً ونخبوياً يتمثل في استقطابات بين الانفتاح أو الشعبوية، وانعكاسات ذلك الاقتصادية، وفي الرقعة المستهدفة والتي تمثل لوحة التنشين وقوس الأزمات الاستراتيجي في توصيف الصراع الدولي، وهي منطقتنا، تبدو الامور ضبابية، لا حسم فيها ولا انحياز!

والسؤال، هل ما تعيشه منطقتنا وما تعيشه شعوبنا من ألم، هو ناتج عن حالة تيه؟ أم ألم مصاحب لمخاض جديد؟

قد تكون الاجابة السعيدة والجالبة للتفاؤل هي المخاض، وأن الفجر سيسطع بعد الظلمة الحالكة وو.. وقد تكون الاجابة المتشائمة والسلبية هي تيه وضياع وانتهاء بكوارث اكبر وو...

وللخروج من حالة التفاؤل والتشاؤم والاجابات الانطباعية، يجب أن تكون الاجابة مبنية على شروط نراها واجبة:

1/ هل هناك شواهد على أنها حالة تيه كاملة؟

2/ هل هناك شواهد لوجود جنين تحرري داخل رحم الأمة ينبئ عن ألم للمخاض لا ألم حصري للتيه ومعاناته؟

3/ هل هناك من الضمانات لمرور هذا المخاض (ان وجد) بسلام وولادة آمنة لعصر تحرري جديد، أم أن المخاطر محدقة ووضع الجنين غير آمن وتغذيته غير سليمة ومعرض للاجهاض؟

والاجابات تحتاج لدراسات راصدة متعمقة وفرق عمل تشمل متخصصين في علم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ، ولا نستطيع المجازفة بتقديم اجابات قاطعة، ولكن يمكن أن ندلي بملاحظات مبدئية تشكل اجتهاداً للاجابة:

اولا: يمكن الاجتهاد في الاجابة عن السؤالين الأوّلين، بأن هناك شواهد للتيه لا لبس فيها، ولكن ليست حالة كاملة بدليل وجود بؤر تحدد بوصلتها، سواء في اتجاه ايجابي مقاوم يعرف الثوابت ويسعى باجتهاد لصيانتها ويقاوم بصمود لاستعادة الحقوق ومواجهة الهيمنة، وهذه البؤر ليست منعزلة وانما لها انتشاراتها ولها جمهورها وان كان أقل عدداً وأقل مالاً ويقاوم في مناخ قاس.

وهذه البؤر وانتشارها ووجود جماهير لها، كفيلة بتشكيل جنين مشروع مقاوم يمكن أن ينمو ليشكل خياراً أصيلا، كما نما خيار التحرر الوطني في رحم اوضاع استعمارية سابقة، واستطاع الانتصار على امبراطوريات كبرى، عندما توفرت الشروط الموضوعية للنصر.

ثانيا: السؤال الثالث هو الأقرب للواقع وتبدو أهمية الجواب عليه مصيرية، وهي كيف نوفر الضمانات لمرور هذا المخاض بسلام، وكيف يتم تحويل الألم الى أمل وكيف نستثمر صمود القلة التي لم تستوحش طريقها، لان يكثر سالكو هذا الطريق ويصبح هو الطريق الرئيسي بعد تأكد انه الطريق الوحيد للخلاص؟

لا بد اذن من جهد وتضافر بين البؤر المنتشرة للمقاومة، ووجود رابط تنظيمي بينها، اضافة الى الرابط الفكري والوجداني، وان تتحول جبهة المقاومة الواحدة والتي مارست وحدتها عمليا على الجبهات بشكل عسكري، الى جبهة واحدة بشكل فكري وتنظيمي.

هذا الطريق شائك، لكنه ممكن ومتاح، ولا يجب أن يستفز الأنظمة الرسمية المعادية لخيار المقاومة ويوفر ذرائع التدخل في الشؤون أو دعاوى الاختراق! وكأن المقاومة مؤامرة ونبت فكري دخيل وغزو ثقافيّ!

هذه الجبهة الواحدة تتخطى منظمات أو مؤسسات محدودة موجودة بالفعل ومحاصرة في مجالي الممارسة والتأثير.

انها دعوة للنخب المؤمنة بالمقاومة وللقطاعات المسيسة وغير المسيسة من جمهور المقاومة لاقامة تنظيماتها التي تبلور مشروعا بعنوان كبير وحتمي، وهو الخلاص من حالة التيه والضياع، وعلى ارضية المقاومة والاستقلال الوطني، وان تحاول تشكيل مؤسساتها بشكل رسمي داخل دولها كاجتهاد للخلاص لا بديل ثوريا للاطاحة بالانظمة وكنوع من التعدد الفكري والسياسي غير المعادي لسلطات دولها.

يجب استيفاء جميع الشروط والسبل للوصول للجماهير ومخاطبتها واقامة الحجة على الانظمة واستيفاء كافة الطرق السلمية، لان المواجهات قد تجهض الجنين المقاوم الى أن يشتد عوده ليصبح سيد الخيارات.

انها دعوة للنخب وللجماهير لتحويل انحيازاتها لفعل مسؤول وممكن وبهدوء يتماشى مع وقار المقاومة وحلمها وصبرها المستند على قوة.