الرجاء الانتظار...

بعد تحذير الـ economist.. هل من منقذ؟

folder_openمقالات access_time2018-09-06 person_pinمريم عيسى
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

مريم عيسى

عنونت مجلة "الايكونمست" مقالها التحذيري عن وضع لبنان الاقتصادي "كان اقتصاد لبنان بطيئًا منذ فترة طويلة. الآن تلوح في الأفق أزمة"، لتضع الملح فوق الجرح اللبناني. إلا أن ما لفت انتباه المتابعين للشأن الاقتصادي نقاطًا مفصلية تتعلق بسياسة لبنان النقدية.

ففي عددها الصادر في الثلاثين من آب/أغسطس، أكدت "الايكونمست" أن العاصمة اللبنانية بيروت باتت مركزا لبناء الشقق الفخمة بسعر يتعدى المليون دولار للشقة الواحدة. وأضافت المجلة اللندنية أن أثرياء لبنان يترعرعون في العاصمة باحثين عن الفرص الاستثمارية المرتكزة على السواح الخليجيين الذين تستقطبهم الحياة في بيروت. وبذلك يعتمد نمو الاقتصاد اللبناني بشكل جوهري على السياحة والبناء والتمويل.

"الازدهار في هذه القطاعات وهمي" تؤكد "الإيكونمست" مشددة على أن القطاعات الثلاثة تعاني من التباطؤ الواضح فيها.

تتداخل العوامل المؤثرة في تباطؤ نمو القطاعات الثلاثة. الاضطرابات الاقليمية والسياسية في البلد هي ركن التعثر. فالحرب السورية واحتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري إضافة إلى أزمة الاسكان هي العوامل الأبرز المساهمة في التدهور الحاصل في الاقتصاد اللبناني.

ما هو معروف أن السائح كما رأس المال جبان. لذلك نرى أن الأزمة السورية أثرت سلبا على السياحة في لبنان والتي كانت لتعود للذروة ولكن وبحسب الايكونمست فإن احتجاز المملكة العربية السعودية للحريري لفترة قصيرة وأجباره على الاستقالة ادى الى انخفاض معدل إشغال الفنادق بمقدار 14 نقطة مئوية خلال شهر واحد. وبالتالي، انخفض الاستثمار بالقطاع وظهر ذلك بعدد المشاريع المعالجة من شركة كفالات حيث انخفض العام الماضي 6% عن عام 2016 و18% اضافية في النصف الاول من عام 2018.

أما تباطؤ قطاع البناء فهو الاكثر خطورة نظرا لكونه يؤمن واحداً من كل عشر وظائف. تباطؤه هذا عمل على إضعاف الليرة وهبوط قيمتها مع انخفاض الطلب عليها بعد انخفاض الطلب على الشقق بسبب وقف دعم المصرف المركزي لهذا القطاع.

واعتمدت الايكونمست مؤشر عدد التصاريح لاظهار تباطؤ قطاع العقارات لتكون التصاريح الصادرة في النصف الأول من عام 2018 أقل بنسبة 9٪ مما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي.

فالاقتصاد اللبناني يعاني؛ انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي من 8 ٪ في عام 2010 ، قبل أن تدخل سوريا المجاورة في حرب أهلية الى متوسط 2٪، والمتوقع ان التباطؤ في سوق الاسكان سيجرها الى الأسفل.

انخفاض عدد مالكي المنازل الجدد يعني انخفاض الطلب الاستهلاكي عموما. الامر الذي جعل العديد من المحلات التجارية تخفض رواتب موظفيها أو تطردهم.

القطاع الأكثر صلابة، بحسب المعطيات، هو القطاع المصرفي. بحيث تحتفظ البنوك التجارية بنحو 200 مليار دولار من الودائع ويدير المصرف المركزي أصولا باستثناء الذهب بقيمة 44 مليار دولار وهو ما يكفي لتغطية أكثر من عامين من الواردات.
اعتمد حاكم مصرف لبنان رياض سلامه على ذلك ليطمئن إن كل شيء على ما يرام مستندا على تجربة ثبات الليرة بعد الأشهر التي أعقبت احتجاز الحريري عندما أنفق البنك المركزي مليار دولار لدعم الليرة اللبنانية واستردت الاحتياطات على الفور تقريبا.

إلا أن الايكونمست أشارت إلى أن هذه الارقام مضللة لكون المصرف المركزي رائدًا فيما يسمى المقايضة، وهي خطة معقدة يقترض فيها احتياطيات العملات الأجنبية من البنوك التجارية. ليستخدم الدولار للحفاظ على ربط العملة. وتحصل البنوك على عوائد مذهلة، حيث تحصل على 40٪ للحصول على قرض لمدة عام واحد. مع عدم وجود نمو اقتصادي، لا تعمل المقايضة إلا إذا استطاعت جذب مبالغ أكبر من أي وقت مضى.

فالمصرف المركزي لا ينشر الاحتياطات الصافية وذلك لأن الأصول الصافية سلبية بالفعل. يشكو رئيس قسم الأبحاث السابق توفيق غاسبارد من أن الودائع "المبادلة" تبلغ قيمتها 65 مليار دولار، ما يعني أن الأصول الصافية سلبية بالفعل.

بهدف تجنيب تخفيض قيمة العملة، أصبحت البنوك تعمل بشكل متزايد لجذب العملات الأجنبية لتصبح أسعار الفائدة حتى بالنسبة للودائع قصيرة الأجل هي في أعلى مستوياتها فيما يقرب من عقد من الزمان. تعني المعدلات المرتفعة أن الشركات الصغيرة لا تستطيع الحصول على الائتمان وبالتالي انخفاض الاستثمار والحركة التجارية في البلد.

شكلت العملة دعامة للاقتصاد منذ عام 1997 إلا أن ذلك لا يبدو مستدامًا. سيكون تخفيض قيمة العملة مؤلماً بالنسبة لدولة تعتمد على الاستيراد بكثافة وليس لديها ما تصدره، فعجز الحساب الجاري في لبنان يشكل أكثر من 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي..
ولعل ابرز ما ذكر في مقال الايكونمست هو التالي "من بين أكبر 20 بنكًا تجاريًا، يمتلك 18 مصرفًا كليا أو جزئيا من قبل السياسيين أو العائلات المترابطة بشكل جيد" والمعروف حسب التجارب التاريخية ان امتلاك اصحاب السلطة للمصارف هو سبب لانهيار اقتصاد الدولة نظرا لتضارب المصالح الشخصية وتحقيق ارباح خيالية وتجاهل السياسة الإقتصادية الانسب للبلد. وقد أشارت الايكونمست الى ان السياسيين اللبنانيين صنعوا ثروة من الطفرة المصرفية والآن هم غافلون عن الانهيار الذي يلوح في الأفق.

مؤخرا، تعهد المانحون الأجانب تقديم 12 مليار دولار كمساعدات في مؤتمر باريس في نيسان/أبريل. لكن معظم ذلك هو عبارة عن قروض، وليس منحًا. ومن المؤكد ان لبنان لا يستطيع تحمل المزيد من الديون.

واذا ما نظرنا الى المشاكل المطروحة في هذه المقالة، نرى ان اهمال الدولة وتأجيلها وقوع الأزمة فضلا عن حلها هو سبب تضخم الأزمة الحالي. فالمصرف المركزي اهتم بتثبيت العملة فقط متجاهلا سياسات نقدية قد تخدم الاقتصاد الحقيقي في البلد واعتمد لذلك على دعم العقارات حصرا، متناسي مبدأ توزيع الدعم لتوزيع المخاطر. كما ان الاعتماد على القطاع السياحي في لبنان غير مفهوم بوجود ازمات امنية شبه مستمرة في البلد. الحل ليس بمعضلة، المطلوب هو دراسة موضوعية لموارد البلد ورسم سياسة اقتصادية تنمي مختلف القطاعات بحيث يحمي القانون المصلحة العامة من مصلحة اصحاب القرار فيها.