الرجاء الانتظار...

أيلول الفلسطيني

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-09-06 person_pinهيثم ابو الغزلان
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

هل أكره أيلول؟! أم أحبّه؟! لم أعد أدري، ولكنني يمكن أن أطرح عليه السؤال بطريقة أخرى معاكسة: هل يُحبني أيلول، أم يكرهني، أو هو بحر نسبح فيه معًا بلا حبٍّ أو كره؟!

لم يفعل لي أيلول شيئًا لأكرهه، ولم أفعل له شيئًا ليكرهني! إذا لماذا كل هذا الحقد الذي يتناثر حولي عندما يقترب مجيئه؟! ولماذا ترتعد فرائصي عند سماع خطواته المتثاقلة التي تحرك أوراق شجر بات همّه التساقط لكنه ينتظر قدوم أيلول. هل يريد هذا الشجر أن تتساقط أوراقه أم يريد تجديد الحياة في شجر يأبى الموت والأفول!

أبى أيلول الحديث... فهو ماكر ومخادع يراوغ مثل ثعلب مكّار ويراهن على تعب فريسته للانقضاض عليها.

فهو لا يريد للروح أن ترتد إلى مكانٍ غادرته، إلى جسد أماته موت المكان. فربما إن عادت ستُحيي من جديد جسدًا أنهكته ندوب الزمان الغادرة، وذكريات تقف مثل شرطي سير عند كل منعطف، أو مثل دليل في الصحراء يعجز أن يحمل الماء، وهو يحسب أنه سيجده حين يشتد ظمأه، لكنه بعد وقت قصير، ودون أن يشعر، يموت عطشًا!

..ربما بعد سنوات طويلة أُدرك لماذا لم أكن أحبه، ولمَ لم أعد أحبه وازداد كرهي له مع مرور الوقت!

ربما لأنه سحب كل أطواق النجاة وأخفاها. وهو الذي ترك الروح تسبح بين سماء وأرض، وجعل الجسد مطية لسنابك الخيل وسيوف لم نر لمعانها يومًا ضد عدو!

يسألني أيلول ببراءته المعهودة: لماذا تكرهني؟!

لأنك كنت من الذين قطفوا زهرة الروح، وتركوا الجسد منهكًا لفتى أغرته الحياة بحبها.. فكنتم القاتل الصامت الذي ضجت الروح من بقائها بقربكم، وحاولت مرارًا مغادرة جسدٍ أبى مفارقتها. فهل تدرك الآن لماذا أكرهك؟! ولماذا لا تسأل نفسك: لماذا أكرهك؟!!

ألا تعلم أنك زرعت الموت المؤقت والدائم في شوارعنا المنسية، واغتصبت حروف اللغة وقهرتها على طرقات مُمدّدة على الاسفلت، ومزّقت كل الأماني، وزرعت حروف الليل مكان الثائرين ونزقهم!

لقد بات الوقت يمر ببطء شديد، بلا تملص أو تردد، يكاد ينتزع من مسام الروح خيطها الرفيع، يتوقد بجمر تلسع أطرافه نيران الموت البارد. ويحدثني بلا أي كلمة، ينطق دون أي حرف، يسامرني خوفًا، ويتراجع بلا هواده، كأنّه يجيد كرة القدم كلاعب ماهر!

وتسألني: لماذا أكرهك؟!

أنسيت رحلة الشوك والشوق التي أدمتنا، ورائحة بارود خنق الطفل والطفلة؟! أنسيت جسدنا المُمدّد في زواريب المخيم، وبيوته المهدمة فوق رؤوس أصحابها؟! أو هل تنسى بطون الحوامل التي بقرها "الأبطال"، أم رقابنا التي حزّتها سكاكينهم دون أن يرف لهم جفن؟!

كيف لا أكرهك؟!

 وأنت الذي حاولت أن تنسينا وردة النرجس، وعطر الياسمين، وحاولت سرقة عطره الذي يتضوع؟! هل أحبك وأنت الذي أسكنتنا في حواري المدن بعيدا ًعن برتقال يافا، وطريق القدس العتيقة، وبعيدًا عن حيفا القسّام، وبحر عكا، وجبال الجرمق؟! فهل أحبك وأنت الذي زرعت فينا سواد الليالي، وتسعى لمنعنا أن نسكن قلب النهار؟!

هل تدرك لماذا أكرهك؟!

لأنني بتّ أرى فيك فصلًا فيه اصفرار أوراق الشجر كما اصفرار حياتنا المنسية في قلب الوجع. أراك فيه تقطف من الروح زهرها كما يقطف "النشامى" روح الحياة منا!

هل يمكن أن تنظر بعيني طفلة سُرقت منها كل أمانيها؟! أوَ هل تعيد لطفل سرق الموت أباه وتركه وسط النار تُلهب أضلعه ليل نهار وتُفقده البسمة؟! أوَ هل يمكن أن تعيد لصبية حبيبًا قطفته يداك كما يقطف الموت الأحباب في كل حين؟!

هل يمكن أن تمنع البعض من احتكار حبّهم لفلسطين؟! وباحتكارهم هذا الحب يمنعون كل من يريد حبها أن يحبها؟! هل تدرك أن بعض الفتية الذين آمنوا بفلسطين وطنًا وحياة، قد هتك "النشامى" ادعياء حبّها براءتهم وأنت ساكت صامت لا تتحرك؟! هل تدرك أن انفجار وجعنا يقتسمه من أراد وقتما يريد، لأننا نؤمن أن الطريق إلى فلسطين يجب أن تمر من فوهة بندقية.

كم أكرهك لأنك لن تستطيع محو ذكرى مطبوعة في ذاكرة لا تنسى رغم تساقط الأوراق الصفراء عن أغصان الشجر! فهل تدرك الآن لماذا أكرهك؟!