الرجاء الانتظار...

هل يتحوَّل العالم نحو نظامٍ نقديٍّ بديل عن الدولار؟!

folder_openمقالات access_time2018-09-07 person_pinمحمد علي جعفر
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

يتقدم الدولار على جميع العملات الأجنبية فيما يخص المعاملات الدوليّة، باعتباره العملة الأكثر استخداماً في التجارة والصفقات بين الدول. كما يتم اعتماد الدولار في التمويل لا سيما من قبل المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض، للدول والشركات الكبرى كالبنك الفيدرالي. هنا تأتي أهمية الحديث عن العلاقة بين مكانة أمريكا في الاقتصاد العالمي وقيمة الدولار من جهة والعلاقة المباشرة بين السياسة الدولية لواشنطن ووزنها في المعادلة الاقتصادية، ما يجعل السياسة الدولية أساساً في تحديد وزن الدولار كنقد عالمي. فما المزايا التي يمتلكها الدولار؟ وكيف تستفيد واشنطن من ذلك؟ وما الأثر المتوقع للسياسة الدولية الأمريكية الحالية على مستقبل الدولار كأداة نقدية وسيطة بين الدول؟

في البداية، لا بدّ من إيضاح المزايا العديدة التي يمتلكها الدولار، والتي تعتبر نقاط قوة له كعملة نقدية، تجعل واشنطن المُستفيد الأكبر من اعتماده عملة عالمية، ما يعود بفوائد اقتصادية كبرى على الولايات المتحدة الأمريكية.

أولاً: تعتبر أمريكا الدولة الوحيدة التي تمتلك ميزة الاقتراض بفوائد متدنية. فالدول عندما تقترض بعملة أجنبية (غير العملة المحلية)، ستدفع في المقابل ثمن هذا الاقتراض من خلال فوائد عالية، ما يجعلها عُرضة للإفلاس. وهو ما ينطبق على كل الدول باستثناء الولايات المتحدة التي تقترض بعملتها.

ثانياً: تعتبر الولايات المتحدة قناة التصفية العالمية للخدمات المصرفية، وهي بالتالي تحصد الكثير من العائدات نتيجة تقديمها الخدمات المصرفية لكافة دول العالم من خلال بورصة وول ستريت تحديداً.

ثالثاً: رقابة تدفق الأمول. تمتلك واشنطن القدرة على مراقبة وتقييد تدفق الأموال من خلال ممارسة الرقابة التنطيمية على تبادلات الدولار، حيث أنها تُدير بشكل مباشر أو غير مباشر غالبية التسويات المالية في العالم والتي تعتمد الدولار كوسيط.

هذه المزايا هي المزايا الأساس التي يتصف بها الدولار وتعود بفوائدها على الولايات المتحدة. تُساهم هذه المزايا في تعزيز استخدام الدولار كأداة نقدية على نطاق عالمي واسع، ما يجعله العملة الأقل كلفة والأكثر أمانا للتبادل. لكن هذه المزايا تتراجع مع تعثر الإدارة الأمريكية للنقد، كنتيجة مباشرة لسوء السياسة الدولية الأمريكية وهو ما سبق له أن حصل. في عام 1971، ونتيجة انهيار سعر الصرف المرتبط بالدولار، رفضت إدارة الرئيس نيكسون قيام البنوك المركزية الأجنبية باسترداد قيمة ما لديها من دولار واستبداله بالذهب، ما أدى إلى ارتفاع أسعار وتضخم في كل من أمريكا وأوروبا. ساهمت هذه الأزمة في دفع الدول الأوروبية خلال التسعينات الى التفكير بإنشاء عملة نقدية موحدة ليتم إطلاق اليورو عام 1999. لم تكن الصين بعيدة عن التفكير الأوروبي، ففي العام 1997 ونتيجة سوء إدارة أمريكا للأزمة المالية الآسيوية، قامت ببدء تدويل الرنمينبي، وصولاً حتى الأزمة المالية عام 2008 والتي هددت الوضع النقدي للدول، اندفعت الحكومات للبحث عن بدائل للدولار بين العملات الدولية لا سيما المنافسة منها كاليورو. اليوم، يوجد توجهٌ جديد وأقوى لدى عدة دول وأطراف، لفك ارتباطهم بالدولار. وهنا تأتي الأسئلة التالية: كيف ستؤثر السياسة الدولية للولايات المتحدة في مكانة الدولار العالمية؟ وما بوادر هذا التحول؟

في العام الحالي خرجت واشنطن بسياسات اقتصادية ترتبط مباشرة بسياستها الدولية وتؤثر بشكل أساسي في الاقتصاد العالمي:

أولاً: سياسة الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين والعقوبات الجمركية، قد تؤثر على النمو الاقتصادي الصيني في المدى القريب فقط، دون أن يكون لها أي أثر على مسار الاقتصاد الصيني التصاعدي عالمياً. بل ستُعزز هذه العقوبات، توجه الصين نحو فك الاعتماد على أمريكا كشريك تجاري ومالي عبر رفع مستوى أمان عملة الرنمينبي كبديل للدولار.

ثانياً: سياسة العقوبات على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتعارض مع التوجه السياسي الدولي تجاه طهران، بل تتعارض مع العديد من المبادئ التي يضر تخطيها بالنتيجة، المصلحة الغربية بشكل عام، ما سيدفع الدول الأوروبية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، لإيجاد سبل للالتفاف حول العقوبات الأمريكية، بدأت أصوات أوروبية تنادي بها، كألمانيا التي لم تُخفِ مساعيها لإنشاء نظام دفع أوروبي مستقل عن أمريكا.

هذه السياسات تجعل واشنطن أمام خطر تراجع مكانة الدولار عالمياً. هذا الخطر يعود بشكل عام لسوء إدارة ترامب الحالية للسياسة الدولية. فيما يمكن رسم المشهد المقبل على الشكل التالي:

أولاً: ستؤدي الحروب التجارية والاقتصادية العشوائية والتي تحمل أهدافًا سياسية، كا سيؤدي اعتماد واشنطن على العقوبات كأداة لتوجيه أو فرض السياسة الدولية دون مراعاة مصالح الدول والأطراف، إلى تراجع الثقة بالقدرة الأمريكية على إدارة النظام العالمي.

ثانياً: مع الأخذ بعين الاعتبار التأثير الكبير للسياسة الدولية في الاقتصاد العالمي لا سيما ما يروِّج له الإعلام وما لذلك من آثار مترتبة على حركة الأسواق النقدية والمالية، فإن الفشل الأمريكي في إدارة السياسة الدولية سيؤدي الى نمو عصيان دولي تجاه العقلية الأمريكية ببعديها السياسي والاقتصادي.

ثالثاً: تراجع الثقة بالولايات المتحدة ووجود أرضية لعصيان دولي مقابل تعزيز في توجه دول وازنة عالمياً، كالدول الأوروبية والصين وروسيا وايران للتفكير بتعويم المصلحة الاقتصادية المشتركة في حماية النظام العالمي، والتوجه نحو أدوات نقدية جديدة بديلة عن الدولار.

كل هذه الأسباب ستُضعف دور الدولار عالمياً ومكانة واشنطن كمركز مالي متحكم بالنقد العالمي.

قد يبقى الدولار قوياً لعدة سنوات بسبب سيطرة رجال الأعمال على مفاصل الاقتصاد العالمي. عزَّزت هذه السيطرة سياسات ترامب الداعمة للتعاطي مع السياسة الدولية من منطلق رؤية العالم كسوق تجارية متعددة الأطراف. فعلى سبيل المثال، ساهمت عملية تخفيض الضرائب على الشركات وإلغاء القيود التنظيمية في أمريكا، في تشجيع رجال الأعمال الأمريكيين لسحب رؤوس أموالهم من الخارج ودعم الاقتصاد الأمريكي. لكن هذه السياسات التي هدفت للتوجه نحو الواقع الداخلي الأمريكي ضمن مشروع "أمريكا أولاً" جاءت على حساب المصلحة الاقتصادية الدولية، ما سيضرب ميزة الثقة بالنقد الأمريكي وبالتالي ستُخفِّض من دور الدولار كوسيط نقدي وآثاره في التمويل العالمي. فهل يتحوَّل العالم نحو نظامٍ نقدي بديل عن الدولار؟