الرجاء الانتظار...

هزيمة ’النجم الساطع’

folder_openآراء وتحليلات access_time2018-09-08 person_pinأحمد فؤاد
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

9 دول، على رأسها الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا، تبدأ في مصر مناورات "النجم الساطع". 16 دولة تشارك بصفة مراقب، على رأسها لبنان والعراق، ومكافحة الإرهاب هي لافتة التجمع العسكري الضخم. تدريبات ومناورات تستهدف تبادل الخبرات بين الدول "الشقيقة"، والتعبير الأخير للمصادر الرسمية العربية، التي لا تنفك تعتبر الولايات المتحدة الشقيقة الكبرى.

المناورات التي حملت اسم "النجم الساطع"، تيمنًا بمعاهدة العار المصرية الصهيونية، انطلقت فور إتمام الاتفاق على بنود "كامب دايفيد"، واستمرت كل عامين من أول مناورة عام 81، ووصل عدد المناورات إلى 17 مناورة، وبلغ عدد الدول المشاركة في المناورات إلى 21 دولة، بالإضافة إلى 52 دولة بصفة مراقب، ولم تتوقف إلا لأسباب دولية، تمثلت في فترة حرب الخليج الثانية في 1991، ثم احتلال العراق 2003، ثم عقب ما اعتبرته عدد من دول العالم "الانقلاب" على الرئيس المنتخب في مصر محمد مرسي.

يعود "النجم الساطع" إلى الواجهة، في عهد جديد، يمثل قمة التعاون المصري الأميركي، ولو شئنا دقة التوصيف، فهو منتهى الخضوع المصري للأميركي، بعديد قوات يتجاوز الـ 70 ألفًا، وتشارك الولايات المتحدة وحدها بنحو 23 ألفا من قواتها.

يعود "النجم الساطع" إلى الواجهة، في عهد جديد، يمثل قمة التعاون المصري الأميركي

الجيش المصري الذي تجري المناورات على أرضه، يخوض حاليًا مواجهات غير مسبوقة، مع جماعات وهابية متشددة، تنتمي ولائيًا لتنظيم "داعش"، بينما تبناها ودعمها في مرحلة سابقة المال السعودي، الذي عاث في مصر إفسادًا، للعقول والقلوب، وتدميرًا للتدين المصري الوسطي، ولم يوفر له النظام السياسي سوى السلاح الغربي والتدريب مع الولايات المتحدة، لزيادة فعالية عملياته الجارية.

العملية العسكرية الرابعة، التي يخوضها الجيش المصري الآن، "سيناء 2018"، جاءت بعد فشل 3 عمليات كبرى سابقة في إنهاء وجود التنظيم المتطرف، هي "نسر 1" و"نسر 2" و"حق الشهيد"، رغم صفقات سلاح هائلة موقعة مع الدول الغربية، اشتملت على أحدث الأسلحة وأغلاها، ورغم ذلك لم يحقق توافر السلاح وغطاء قانوني، يتمثل في تطبيق الطوارئ، أي جديد بالنسبة لمجريات المعارك.
 
فقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وانعدام العدالة، والفصام الكامل بين النظام والشارع، ضربوا الانتماء كقيمة وطنية عظمى في مقتل، ودمروا علاقة تقليدية كانت تربط بين الناس والقوات المسلحة، وتركوا -ضمن ما تركوه- المجندين وحدهم يخوضون صراع الوطن، محرومون من ظهيرهم الشعبي المساند. الحرب معركة أمة وليست صراعًا على صفحات الجرائد والشاشات، وهذا وحده يفسر عدم الحماس الشعبي لأي أنباء تخص العمليات العسكرية الجارية، فالوطنية والفداء والحرب كلها قيم جرى استنزافها، حتى صار الحديث عنها مبتذلًا، لا يحرك المشاعر ولا يجمع الفرقاء.

الجيش الأقوى عربيًا، والأقدر بقاعدة بشرية واقتصادية هائلتين، يعاني وهو يخوض معركته متكئًا على أعداء في زي أصدقاء، فمن صنع ودعم وسلح "داعش" هو الأميركي والصهيوني والسعودي، وهي الدول ذاتها التي لدى نظام الحكم المصري أوثق العلاقات معها، فالعلاقات مع الولايات المتحدة تمر بفترة ازدهار غير مسبوقة، بدأت عشية انتخاب دونالد ترمب، والذي اعتبرته الأبواق الإعلامية للنظام المصري انتصارًا على جماعة الإخوان، بعد فترة جمود في العلاقات خلال حكم الحزب الديموقراطي، ممثلًا في أوباما، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون.

والعلاقات بين النظام المصري والكيان الصهيوني، تشهد ربيعها الثاني، بعد الربيع الأول في عهد السادات، والنائب المصري عماد جاد قال في سبتمبر/أيلول 2017، إن "بنيامين نتنياهو عمل بقوة لدى الكونغرس الأميركي لدعم مظاهرات 30 يونيو/حزيران في مصر، ولم يجد النائب ردًا ينفي حقيقة ما قاله، والمتابع لسياق الأحداث لن يشك لحظة في صحة طرحه".

النظام المصري حقيقة تجاوز مرحلة أن يوصم بالتطبيع، فمنذ شهر واحد، نشرت السفارة الصهيونية بالقاهرة، دعوة لرجال الأعمال والصناعة، للتواصل معها، تحت غطاء اتفاقية الكويز، الاتصال مع الكيان الصهيوني كان يعد -وحتى وقت قريب جدًا- خيانة عظمى، تجري في الخفاء وبسرية كاملة، لكنها الآن تجري تحت سمع وبصر الجميع، فالدولة لا تمارس التطبيع لكنها تحرض على التطبيع.

أما السعودية، فنجحت في انتزاع جزر مصرية، ثم امتلك سفيرها السابق أحمد القطان، جرأة أن يوزع العطايا السعودية على أصحاب النفوس الرخيصة، دون أن تتدخل الدولة لوقفه عند حد، أو حتى لرسم العلاقات مع السعودية بندية، وليست علاقة تابع ومتبوع، كما يجري حاليًا.

الغريب أن الأميركي لم يتمكن، سواء في العراق أو شرق سوريا، من الوقوف أمام "داعش" -هذا لو افترضنا أساسًا أنه كان يرغب في محاربتها- وخرج تصريح شهير من رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال ريموند أوديرنو، في 2015، يؤكد أن القضاء على "داعش" سيستغرق فترة تقدر بـ 20 عامًا، ثم أثبت أبطال الجيش العربي السوري والحشد الشعبي العراقي، اهتراء الطرح الأميركي، وكنسوا التنظيم المتشدد من الخريطة، وبات وجوده واستمراره أمرًا غير وارد.

الحشد الشعبي العراقي والجيش السوري أصحاب الانتصار الواضح، والأقرب عربيًا للشعب المصري، غائبان عن معركة مكملة لمعاركهما، والجيش المصري محروم من نصفه السوري، وبعيد عن التجربة الناجحة في العراق وسوريا. الحقيقة أن الجنود يجتهدون فوق طاقاتهم، ولم نجد مثلًا جنديًا يلقي سلاحه ويهرب من المواجهات، أو ينضم للتنظيمات المتشددة، وهذه نقطة تحسب لأبناء العمال والفلاحين من المجندين المصريين، لكن بوجود الخبرة السورية للتعامل مع التنظيمات الإرهابية، كان القضاء على "داعش" في سيناء أسرع وأسهل، بلا مزيد من دماء مهدرة.

المناورات التي تجري في غياب أي منطق يحكم الأفعال، ويستشف ما سيترتب عليها، ينطبق عليها توصيف فعل العاجز، بالشكل الخاطئ، وفي الظروف المعاكسة، بوسائل ساقطة، وهي كما غيرها، لن تؤد إلى تغيير إيجابي، طالما ظلت دائرة الحكم تتقلب بين قيود كامب دايفيد وإدمان القروض.