الرجاء الانتظار...

 

الوعيد الإعلامي بثلاث شعب والرامي بقوس معكوس

folder_openنقاط على الحروف access_time2018-10-08 person_pinلنا العزير placeلبنان
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

Its About Time، العبارة التي تُستخدم عادة ليس بحرفية "صار الوقت" إنما هي عبارة عادة ما يختم بها أحدهم مهمّته الشاقة وكل الخطوات التي يتوجّب عليه أن يعدّها قبل النتيجة التي ينتظر، تماما كمن يؤدي دور "صائد الجوائز" أو القنّاص، الذي يحدّد الهدف والمرمى واللغم الأرضي أو القناصة وينتظر في وكره أن يحين الوقت بمرور الهدف، ليفجر كل شيء.

لا يمكن قراءة هذا البرنامج بهذا الإنتاج الأكبر من برنامج " توك شو " عادي ، دون التعريف بالعناصر القائمة فيه وخلفه ودون ربطه بالظرف السياسي والانقسامات المحورية البيّنة في المنطقة والإعلام كأداة تخضع للموّل في أي محور كان، ومن المموّل لهذا البرنامج وهذه المحطة؟ ربما الإجابة أوضح من أن تُكتب، وهذا لم يعد من الغرائب في لبنان.

خرج غبريال المر مدير محطة الـ MTV  اللبنانية خلال مؤتمر صحفي لإطلاق برنامج "صار الوقت"، وهنا من الجيد معرفة ما أراده المر من برنامجه، إذ قال: "هذا البرنامج ليتحول كلامنا إلى حقيقة، ولكي يعبر جيل الشاب عن رأيه وعن تطلعاته، ونحن أمام تجربة جديدة من البرامج الحوارية، ونقاشات للمرة الأولى على مستوى الشرق الأوسط من خلال مناظرات بين المشاركين. وما يميز البرنامج، عدا الحضور في الاستوديو، هو المشاركة الأسبوعية لمعالي الاستاذ زياد بارود من خلال" بالنظام... لوبي دعم التشريع " وهي مجموعة استشارية لاقتراح القوانين، فضلا عن تفاهمات أخرى أجراها البرنامج من ضمنها المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية NDI المتخصص بالتدريب وإدارة الندوات، وأشار إلى أن القاسم المشترك بين مارسيل غانم وقناة الـ MTV  أن " الدفاع عن الحرية، وكما دفعت القناة ثمن الحرية أيام الاحتلال السوري كذلك دفع مارسيل ثمن الحرية وما زال يدفع".

بصرف النظر عن أن من يدفع الثمن لأجل الحرية يعلن إفلاسه لا رفع الإنتاج، ولا يعتبر نفسه المحطة الـ VIP  كما عبّر سابقا المرّ نفسه، وبصرف النظر عن الاستمرار باستثمار ورقة الوجود السوري التي كان يجاريها مارسيل غانم نفسه أثناء استيطانه في قناة ال بي سي اللبنانية، قبل أن يغادرها مؤخرًا بعد الخلافات الكبيرة بين بيار الضاهر مدير قناة ال بي سي وسمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، وبعد انتقال البذخ المالي العربي إلى "خرج" ال أم تي في، وهذا ليس اتهاما بل واقعا لا ينكرونه، تبدو اللهجة المعتمدة في الانطلاقة كأنها تصفية حسابات، واسترجاع الثمن الذي بذلاه كلاهما ولكن ممن؟
 
قبل ساعة الصفر عليك مشاهدة الترويج الذي يشارك فيه صاحب المحطة بنفسه، والذي كما قدم أنه مع الديكور صُمّم في فرنسا، وربما لهذا يشعر المشاهد للوهلة الأولى انه في قاعة الأخبار الفرنسية باللون الأبيض والأزرق والأحمر، أو هي ربما ألوان لوغو القناة نفسها، من يدري! وكما قدموا أن الموسيقى ايضا تم تسجيلها في استوديوهات غربية وتطبيق التصويت المعتمد في البرنامج تابع للمعهد الأميركي الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية NDI المتخصص بالتدريب وإدارة الندوات، ربما كان الحضور المصفّق وحده يحتفظ بلبنانيته، ذلك ان استثنينا الكمبرس مدفوع الأجر لصالح مدير المسرح، والذي لم نسمع منه سوى إجابات محددة، بصدفة جعلت كلًّا المداخلات الأربع من تيار مختلف، وختامها يلوم العهد الرئاسي، أي الرئيس ميشال عون.

جورج غانم وهو آخر النازحين من قناة ال بي سي إلى أم تي في، وهو المستشار السياسي السابق لرئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، وفي هذا ربما اشارة أيضا تُضاف لهوية البرنامج، تخرجه عن جادة الموضوعية أو الإجماع الشعبي اللبناني.

وبالمرور على دور زياد بارود، وصيغة " اللوبي التشريعي "وان كانت من الناحية القانونية والسياسية تعتبر توصيف طبيعي لوضع معين لكن لا شك أنه مصطلح يمكنه أن يقفز بمخيلة العربي بارتباط شرطي إلى مواضع غير محببة مرتبطة بحقبات من التآمر والامبريالية، قد لا يكون هذا التزاحم الى الرأس منطقيا أو مقبولا، لكن لا يمكن أن ننكر أنه يحمل هذا القرين ولو سرا، وليس مستبعدا أنه يحمل الارتباط نفسه لدى مستخدمه بطريقة أكثر انسجاما مع اهدافه، قلنا ربما.

 وصولا إلى الإعلامي الذي امتلك في فترة ما بين العصرين مكانة المحاور البارع والقدير، وقد يُشكل البعض في توصيف" القدير"، تبعًا للقاعدة التي يُبنى بها الإعلامي في لبنان، إلا أنه وتبعًا للعرف الاعلامي اللبناني، هو اعلامي حاز على الجنسية الحوارية كمحاور لا يستهان به لأكثر من عشر سنوات.

"أنا عادة أعتمد أسلوب السؤال المباغت ببداية الحوار مع الضيف، ما يجعلني أتحكم بالحوار، وأخفف أو أصعّد حسب تجاوب الضيف معي لاستخراج الاجابات التي أبحث عنها في حديثه"، هذا ما قاله مارسيل في لقائه مع طلاب كلية الإعلام اللبنانية الفرع الأول قبل ما يقارب ستة عشر عاما . ليس السؤال وحده ما كان يملكه مارسيل في فرضه نفسه كمتحكم بالخلقة، بل ما كان يتضمنه السؤال من معلومات وتسريبات، لا يخفى على أحد كيف تطوف هذه المعلومات بين المصادر والإعلاميين، وهو المعروف بعلاقاته المتشعبة والوطيدة بعدد من السياسيين الكبار، ومنهم الرئيس السابق رفيق الحريري، وما يعنيه من تقارب مع وسام الحسن رئيس جهاز أمن الرئيس الحريري ورئيس فرع المعلومات، يُضاف اليها علاقته التي كادت تصل الى حد الشبهة بالنائب وليد جنبلاط الزعيم الملقب بـ " صاحب الأنتينات السياسية " التي كانت ممسكة بالموجة بين عبد الحليم خدام، (النائب السابق للرئيس السوري) وكذا مع الفرنسيين والسفارة الأميركية في عوكر، هذا ما يتحدث هو به، ولن نطرح فرضيات أكثر. يُضاف الى ذلك، انضمامه الى عائلة ال بي سي القواتية سابقا والمتنقلة لاحقا وصولا الى ام تي في بما هي عليه.
 
ومن المعروف أيضا أن الإعلامي في علاقاته مع مصادره، يستخدِم ويُستخدم بالمعلومة.
 
ارتحل مارسيل بهذا الارث الاعلامي والعلاقات الوطيدة إلى ام تي في، حيث سيشكل من قاعته الفرنسية جبهة دفاع عن الحرية ، اية حرية ؟ حريتهم، وما تعريفاتهم الا صورة عن هوية هذه الحرية التي يُفترض أنه بدؤوا موالهم فيها بالكفر.

وُضع مارسيل  في هذه الكولوني " كولوني المستعمرة "صار الوقت"، حيث التشعب والعمل الـ"المتعوب عليه" من حيث الامكانات المادية والعلاقات، بالعامية نقول " مفتوت عليه مال وفايتين فيه للعظم".
 
بعيدا عن الديكور وتكاليفه والعملية الفنية والاخراجية، فليس بسيطًا، أن يتضمن برنامج واحد، جورج غانم، مارسيل غانم، وزياد بارود كأركان ثابتة يُضاف اليها عناصر زخم أخرى حسب الحلقة، كأن يستضيف في حلقته الأولى، وفي ظل التكهنات حول معضلة تشكيل الحكومة، الرئيس المكلف للحكومة اللبنانية سعد الحريري في الاستوديو وهو المعروف بحرصه الأمني، وأن يمرر مداخلة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في ظل هذه الأزمة الاقتصادية الكبيرة، هذه العناصر التي تعتبر عناصر زخم في مرحلتها القصوى كحلقة أولى، والتي تشي بمخزون هذا البرنامج من دعم سياسي ومادي، إلا أن المشاهد الذي يبحث عن المحاور السياسي البارع، بدأ معه منذ بداية الحلقة ، ونبرته العالية على الحضور، انتقالا الى الفقرات تماما كمقدم نشرة اخبار فرنسية أو على قناة العربية ، يستضيف شخصية ويرفد الى النشرة تقارير ومداخلات ويعمل هو على قراءة الاسئلة المعدّة ويربط بين الانتقالات كما يملي عليه المخرج.
 
من السؤال الأول للجمهور، مرورا بكل الأسئلة التي مُررت بالحلقة، أراد مارسيل أن يصوّب على هدف، وهذا لطالما فعله في مرحلته السابقة ولكن بحذاقة أكثر وبمكر ساحر، ولكن في حلقته هذه كان موقفه ساذجا إلى حد جعل خديج السياسة بالنسبة له الرئيس الحريري يخبره صراحة " انتَ بدك تقوّص على جبران باسيل"، وان كانت مقدمة مارسيل عن الأزمات البيئية والاقتصادية والحقوقية والسياسية الممتدة منذ عهود في لبنان، والتي كانت عبارة عن تساؤلات لا علامات استفهام في آخرها، بل اصابع اتهام موجهة بشكل محدد، وجميع هذه التساؤلات تتهم النظام، الذي كان مارسيل نفسه وما زال بعضًا من اجترارات هذا النظام، الا ان منحى الحلقة من ألفها إلى يائها كان في مرميين لا أكثر، هما: العهد أي رئاسة الجمهورية متمثلة بالرئيس ميشال عون ونحديدا الوزير جبران باسيل، وحزب الله والسوري، والأغرب من الأسلوب الساذج والواضح، هو عجز مارسيل عن استخراج هذه الاجابات، التي كان يُتقن سابقًا القفز بينها بدهاء مطّلع على الخفايا، ولا أظن أن عجزه مهني، بقدر ما كان ثوبا جديدا يبدو ان مارسيل ارتداه بشفافية أكبر تعكس حجمه في هذه المستعمرة، جيث الاستوديو عبارة عن مسرح  والجميع ومعهم مارسيل يؤدون دورهم بدقة، لصالح من؟ ربما لصالح الحرية التي تحدث عنها غابرييل المر، الحرية الممولة، جميل!

في كل هذه التركيبة المشغولة بشكل جديد نسبة للساحة الاعلامية اللبنانية، وبإنتاج مكثف فيه من الجهد ما فيه، وهي بمعظمها انتاج اميركي فرنسي، وبإمدادات وتسهيلات لو مُنحت لتلفزيون لبنان لأصبح TV24 وُضع مارسيل في هذا المُنتج المرسوم المعالم، وقد أضاع في هذه التركيبة سؤاله الأول، ولم يبقَ منه سوى ضحكته المفتعلة وسمّاعة الريجستر في أذنه، كي لا يحسب المشاهد أن مقعد المحاور كان فارغاً.