الرجاء الانتظار...

 

الصين والولايات المتحدة بين ’فخ ثوسيديدس’ و’البديل الثالث’

folder_openآراء وتحليلات access_timeمن 6 أيام person_pinمحمود ريا placeالصين
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

تشكل العلاقات الصينية والأميركية مجالاً خصباً لتطبيق النظريات الاستراتيجية السياسية والاجتماعية التي تبتكرها قرائح المفكرين من أنحاء العالم.

وبطبيعة الحال يبدو المفكرون الأميركيون والصينيون أكثر اهتماماً برسم تصورات مستقبلية للعلاقات بين البلدين في ظل التوترات الكبيرة التي تشهدها هذه العلاقات، والتي قد تنعكس على مجمل الأوضاع في العالم.

ويستخدم الباحثون والمتابعون لتطورات هذه العلاقة الكثير من "المصطلحات الجديدة" للتعبير عن مآلاتها. وقد برز في الفترة الأخيرة مصطلح "فخ ثوسيديديس" لتقديم واحد من احتمالات المصير المتوقع لما سيحصل بين البلدين.

ألّف المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس قبل ألفي سنة كتاباً عن الحرب بين أثينا وإسبرطة، أعطى فيه للعوامل الاجتماعية والاقتصادية الدور الأكبر في نشوء هذه الحرب، وخلص إلى نظرية مفادها أنه مع وجود قوة مهيمنة، فإن نشوء قوة صاعدة سيؤدي لا محالة إلى حرب طاحنة بين القوتين.

في العام الماضي، عام 2017، عادت هذه النظرية إلى الحياة مع كتاب: "ماضيان نحو الحرب.. هل تستطيع أميركا والصين تجنب فخ ثوسيديدس؟" للكاتب الأميركي جراهام أليسون، الذي قال في كتابه إنه مع متابعة حالات صعود قوى جديدة في وجود قوة مهيمنة خلال السنوات الخمسمئة الأخيرة، تبين وجود ست عشرة حالة من هذا النوع، انتهت اثنتا عشرة منها إلى حرب طاحنة، وهو يضيف أنه في الحالة السابعة عشرة، المتعلقة بوجود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، وصعود الصين الصاروخي في الفترة الماضية، فإن الصورة تبدو قاتمة جداً، وربما تذهب الأمور إلى حرب لا تبقي ولا تذر.
خلاصة الفكرة تقول إن الولايات المتحدة لن تقبل بالتنازل، وستفعل كل ما هو ممكن للبقاء قوة وحيدة مهيمنة في العالم
خلاصة الفكرة تقول إن الولايات المتحدة لن تقبل بالتنازل، وستفعل كل ما هو ممكن للبقاء قوة وحيدة مهيمنة في العالم. وقد تعززت هذه النزعة مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم، حيث يضع لنفسه شعاراً حاكماً مفاده أن الولايات المتحدة يجب أن تبقى، بل يجب أن تعود لتكون القوة العظمى الأقوى في العالم.

في المقابل يبدو الرئيس الصيني شي جينبينغ مصمماً على المضي قدماً في جعل الصين قوة كبرى، وهو يضع الخطط ويرسم السيناريوهات اللازمة للوصول إلى تحقيق هذا الهدف خلال فترة لا تزيد عن أواسط هذا القرن، أي في العام 2049.

وأمام هذا الواقع، تبدو فرضية التصادم بين القوتين قائمة، لا بل هي مرجحة، إن لم تكن قد أصبحت الأقرب إلى التحقق.

هذا الطرح وجد الكثير من المؤيدين الذين اعتبروا أن "فخ ثوسيديدس" هو التفسير الواقعي والوحيد لمآلات الصراع الصيني الأميركي، وبنى هؤلاء المؤيدون رؤى للعالم في المستقبل القريب والمتوسط يقوم على أساس حتمية قيام الحرب بين الولايات المتحدة والصين.

وقد جاءت تصرفات الرئيس الأميركي دونالد ترامب والخطوات الاستفزازية التي اتخذها تجاه الصن لتعطي هذه النظرية الكثير من المصداقية، ولتضعها في موقع المتنبئ بحركة الأحداث خلال المرحلة المقبلة.

إلا أن هناك من يرى أن المواجهة الأميركية الصينية ليست حتمية، بل إنهم يعتقدون أن هذه المواجهة لا يمكن أن تقع أصلاً، لأن هذا يعني فناء البلدين، وفناء الكرة الأرضية معهما، وهذا ما لا يمكن أن يقبل به أحد في أي مكان في العالم، وتحديداً في واشنطن وبكين.
يتردد في العالم الآن مصطلح "البديل الثالث" كتوقع لمسار العلاقات الأميركية الصينية.
يتردد في العالم الآن مصطلح "البديل الثالث" كتوقع لمسار العلاقات الأميركية الصينية. وهذا المصطلح طرحه الكاتب الأميركي ستيفن كوفي، وهو يقوم على أساس اعتبار أن أصعب المشكلات بين طرفين يمكن حلها، ولكن هذا الحل لا يقوم على أساس طريق الطرف الأول ولا طريق الطرف الثاني، ولكن على أساس الطريق الذي يجمع الطرفين معاً، وهو البديل الثالث.

هذه النظرية لا تتعلق بالعلاقات الصينية الأميركية بشكل حصري، وإنما هي نظرية لحل كل الخلافات الناشئة في المجتمعات وبين الدول وعلى مستوى شخصي وجماعي وفي أي مكان وزمان.

لقد طبقت صحيفة غلوبال تايمز الصينية في إحدى افتتاحياتها قبل أيام هذه النظرية على العلاقات بين واشنطن وبكين، ووصلت إلى تصور مفاده أن هذه النظرية هي المسار الوحيد الممكن للتعامل مع هذه العلاقات.

قالت الصحيفة في افتتاحيتها: "تريد الولايات المتحدة أن تكون الرابح الوحيد في صراعها مع الصين. لكن التاريخ يقول إن هذا النهج سيكون مليئًا بالمخاطر. قد تجد الولايات المتحدة صعوبة في الفوز على الصين، لأن الصين لديها ما يكفي من القوة لمقاومة الاستفزازات الأمريكية، وتكتسب القدرة على تحمل المصاعب. علاوة على ذلك، فإن الصين تملك الردع الاستراتيجي كقوة نووية كبرى."

بالمقابل ترى الصحيفة أنه "من غير الواقعي أكثر أن تسعى الصين إلى تحقيق نصر ساحق على الولايات المتحدة. إن الجودة الاقتصادية للولايات المتحدة وريادتها في التكنولوجيا العالمية وقدرتها على تعبئة حلفائها لمواجهة الصين أبعد من متناول الصين."

إزاء هذا الواقع تصل الصحيفة في افتتاحيتها إلى خلاصة مفادها "أن البحث عن بديل ثالث سيكون حتمًا الخيار الوحيد للصين والولايات المتحدة. في الوقت الحالي، قد يتفق العديد من الأمريكيين مع نهج حكومتهم تجاه الصين، لكن الافتراض هو أن هذا لن يؤدي إلى صدام استراتيجي. إذا دعت واشنطن شعبها حقاً إلى السير نحو طريق مسدود، فإن معظم الأمريكيين سيطلبون من الرئيس البحث عن بديل."

أما الصين فهي - حسب الصحيفة - "أكثر انفتاحا على البديل الثالث. هذا ليس لأن الصين خجولة، ولكن لأن الصين صادقة في سعيها لتحقيق سيناريو الفوز المشترك أو الفوز المتعدد وتكرس نفسها لبناء مجتمع المصير المشترك."

ولهذا تعبر الصحيفة عن الأمل في "أن تتمكن النخب في واشنطن من قراءة "البديل الثالث" بعناية"، فهل يتحقق ذلك، أم أن العنجهية الأميركية ستعجز عن الارتقاء إلى هذا البديل، وستغوص أكثر نحو خلق اسباب المواجهة على الكرة الأرضية؟