الرجاء الانتظار...

ما بين الإصرار والتعنت: اللبناني يستعيد الشمعة للإنارة

folder_openمقالات access_time2018-11-07 person_pinفاطمة سلامة
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

رُبّما المرة الأولى التي يجري فيها استهلاك الشمع بكثرة من قبل اللبنانيين، كانت أمس. هؤلاء منذ زمن، لم يلجأوا الى هذه الوسيلة للإنارة. كُثر لم يكن يحتفظ بها في المنزل أصلاً، فسارع الى شرائها لحظة إعلان أصحاب المولدات عن إطفاء مولداتهم لساعتين. ساعتان، "استوت" فيها غالبية المواطنين، فتجرعت كأس العتمة. كُثر وجدوا في الواتساب ووسائل التواصل الاجتماعي طريقة لتمرير الوقت، فتبادلوا الصور التي توصّف الحال. والسؤال الأكثر تكراراً كان: هل التزم صاحب المولد عندكم بالقرار؟. وكأنّ المواطن لم يكن يكفيه "كهرباء الدولة" التي تزوره في السنة مرة ـ إذا صح التعبير ـ ، حتى يدفع ضريبة الكباش الحاصل بين الدولة وأصحاب المولدات الخاصة. الجهة الأولى تُصر على تطبيق قرار تركيب العدادات، والجهة الثانية تُطالب بضرورة إنصافها بتسعيرة عادلة، وتؤكّد أنها ذهبت باتجاه خيار "التعتيم" مكرهة بعدما تقطّعت بها السبل. تلك الخطوة يضعها وزير الإقتصاد رائد خوري في خانة "التمرد" على الدولة، مؤكّداً في حديث لموقع "العهد الإخباري" أنه سيلجأ الى مصادرة المولّدات في حال تكرّر مشهد الأمس. وما بين إصرار وزير الاقتصاد على تطبيق القانون، وإصرار أصحاب المولدات على تسعيرة محددة، يقف المواطن الذي لا يعنيه ربما كل هذا الجدل الحاصل. ما يعنيه فقط هو الحصول على الكهرباء، والسؤال الأبرز لديه هل سيتكرّر مشهد الأمس؟. 

قبل استطلاع رأي أصحاب المولدات الخاصة للإجابة على سؤال المواطنين، ثمّة سؤال يطرح نفسه عن ردة الفعل الرسمية حيال ما حصل، فيأتي الجواب على لسان وزير الاقتصاد بأنّ" خطوة التعتيم لا أخلاقية وأصحابها يحاولون الخروج عن السلطة، لكنهم لن يفلحوا" وفق تعبيره. يؤكّد أن الأيام القادمة ستبرهن أنّ كل من "يتمرد" على قرارات الدولة بقضية حيوية ومهمة وأساسية للجميع، لن يفلت من العقاب. وهنا يستطرد الوزير بأنه لا يتكلّم عن جميع أصحاب المولدات فالبعض رفض الركوب بالموجة. يسأل خوري: كيف يتم أخذ الناس رهينة وبهذه الطريقة التي لا تمت للأخلاق بصلة؟. يؤكّد أننا نريد تحرير الناس من الابتزاز والممارسات المتعجرفة، التي لم ترحم الشعب. وفق حساباته، فإنّ الدولة خسرت حوالى 30 مليار دولار كدعم للكهرباء خلال 30 عاماً. نفس هذا المبلغ دفعه المواطنون لجيوب أصحاب المولدات الخاصة الذين ربحوا أرباحاً "فاحشة"، وهو ما سنحاربه ولن نسمح باستمراريته. لن نسمح بأن تستفرد هذه المجموعة بالناس لتجني أرباحاً خيالية. وهنا لا يُنكر خوري أنّ من حق أصحاب المولدات الخاصة الربح. هؤلاء يعملون ضمن قطاع خاص، والربح حق مكتسب لهم، لكنه يلفت الى أن عليهم "نسيان" نسب الربح الكبيرة التي تقاضونها في السابق، عليهم الربح بأسعار معقولة يقبلها العقل والمنطق. 

 

 

يكشف خوري أنّ الجهات الرسمية ستذهب باتجاه التصعيد، وستلجأ الأجهزة الأمنية الى مصادرة المولدات الخاصة في حال تكرّر مشهد الأمس، وفي حال لم يجر تطبيق القانون بتركيب العدادات. وفي هذه الحالة، ـ يلفت خوري ـ الى أنه قد يجري تشغيل المولدات من قبل البلديات. يؤكد أنّ القضاء سيشن حملة واسعة اليوم، حيث ستستدعي النيابة العامة والأجهزة الأمنية كل من جاهر بإطفاء مولده الكهربائي أمس. يُعرب خوري عن دعمه الكامل للمواطن، وإكمال هذه المعركة كما يصفها حتى النهاية، وحتى بسط سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية. 

أصحاب المولدات الخاصة

ما يقوله خوري لا يستسيغه لا من قريب ولا بعيد المهندس حسن ياسين الذي يروي وجهة نظر أصحاب المولدات الخاصة. يستهل ياسين حديثه بالاعتذار من المواطنين، فخيار التعتيم المر كان أحلى الخيارات، التي لجأوا اليها مكرهين. فأصحاب المولدات وجدوا أنفسهم مضطرين لإطفائها عن الأهل والأصدقاء والأقارب، وهذا الخيار لم يكن بسبب إجبارهم على تركيب العدادات. لا، بل لأن كراماتهم مُسّت حين جرى استدعاء 120 شخصاً منهم الأسبوع الماضي الى مركز المباحث الجنائية للتحقيق معهم على خلفية عصيانهم للقرار. يسأل: بأي جرم يجري استدعاءنا كأي تاجر مخدرات، ومجرم، وسارق؟. أهكذا تجري مكافأتنا لأننا ننير الظلام الذي عجزوا عن محوه بفعل سياساتهم الفاشلة؟. هل هناك عقد بيني وبين المواطنين يلزمني بإعطائهم الكهرباء؟. 

يؤكّد ياسين أننا وصلنا الى طريق مسدود مع الدولة التي تصم آذانها عن الحلول. التسعيرة التي تريد إعطاءنا اياها للكيلو واط مجحفة (439 ل.ل) ونحن نطالب بـ(560 ل.ل). السعر الذي نريده مبني على دراسات علمية،  فتسعيرة وزارة الطاقة لا علمية وتجعلنا ندفع من جيوبنا. من وجهة نظر ياسين، فإنّ الحل لكل هذا الكباش الحاصل  بسيط وسهل. على الدولة تشكيل لجنة ثلاثية تضم الى وزارة الطاقة، لجنة محايدة من خبراء ومهندسين، وممثلون من أصحاب المولدات الخاصة لمعالجة الأزمة. وهنا يرفض ياسين تحميلهم مسؤولية الفشل المتراكم منذ عقود حتى اليوم، ووضعهم في مواجهة الناس الذين يرفضون أذيتهم. يذهب ياسين أبعد من ذلك، فيرى أن المسألة في الأصل سياسية ومختلف الأفرقاء ترفض الدخول في حلها لأنها قضية اجتماعية تعبوية. ولدى سؤاله عن الخطوة اللاحقة، يؤكّد المتحدث أن الخيار الآتي قد يكون إطفاء كامل. 

باتريك صليبي وهو صاحب إحدى المولدات في منطقة كسروان يدعم وجهة نظر ياسين. ويضيف عليها بأنّ كلفة إنتاج الكيلوواط الواحد تبلغ حوالى 321 ليرة، فكيف يريدوننا أن نقبل بالـ439 ليرة؟، أين كلفة المدفوعات الثابتة من صيانة دورية وإيجارات وعمال، وغيرها؟، يسأل صليبي الذي يستنكر الطريقة التي استدعوا فيها الى التحقيق وكأنهم اقترفوا جرماً ما. وعندما نسال عن الجرم الذي اقترفه المواطن حتى يلاقي العتمة، يؤكّد المتحدّث أنه قطع الكهرباء عن منزله أيضاً، ليتساوى بالناس، وبإحساسهم بالعتمة، مؤكّداً أنه ذهب الى الخيار مكرهاً. يؤكّد أن المواطنين يقبعون في العتمة منذ 45 عاماً، وذلك بسبب عجز الدولة. 

صليبي الذي يُشدّد على أنّ أصحاب المولدات الخاصة تحت سقف القانون وليسوا ضد الدولة، يستغرب كيف ترفض وزارة الطاقة تطبيق ما أتى بالدراسة التي طلبها قاضي الأمور المستعجلة في عالية، ونفذها خبراء محلّفين على 12 منطقة، وأسفرت عن تحديد تسعيرة الكيلو واط بـ561 بناء على دراسة شاملة لكل التكاليف!. يختم حديثه بالاشارة الى أن البعض يُصر على صم الآذان ليدفعنا في وجه الشعب الذي واجه عجز الدولة على مدى عقود لكنه لن يفلح.