الرجاء الانتظار...

لماذا يرفض الحريري تمثيل ’اللقاء التشاوري’ في الحكومة؟

folder_openمقالات access_timeمنذ أسبوع person_pinفاطمة سلامة
starأضف إلى المفضلة
print طباعة

لدى الحديث عن العرقلة في تشكيل الحكومة، ثمّة سؤال يفرض نفسه تلقائياً: لماذا يعارض الرئيس المكلّف سعد الحريري بشق الأنفس تمثيل أي صوت سني خارج عن تيار "المستقبل"؟. 

كما هو معلوم، فإنّ رحلة التكليف التي بدأها الحريري، وقفت عند خاطر مختلف القوى السياسية تقريباً، إلا السنة المستقلين. يرفض الحريري حتى النقاش في هذه المسألة. يصف ذلك بمضيعة الوقت، ففي رأسه قناعة واحدة يستحيل تغييرها، تتعلّق بضرورة قطع الطريق على أي صوت سني خارج عن عباءة "المستقبل". الحديث عن وقت داهم لجهة الوضع الاقتصادي، لا يهم الحريري الذي يتصرّف على مهله. يمضي في عناده وتعنته غير مبال بنتائج الانتخابات النيابية، وأرقامها التي أعطت للقاء التشاوري الحق بما لا يقبل الشك في التمثل بالحكومة. يمضي في عناده وإصراره حتى ولو بقي التأليف على حاله أعوام، طالما لم يلزمه الدستور بمهلة زمنية محددة. وأمام هذا الواقع ثمة من يُقارب الملف الحكومي بسطحية، فنجد من يسأل على سبيل المثال: أيُعقل لأجل مقعد وزاري هنا أو هناك أن يُصار الى تأجيل تشكيل الحكومة، بينما البلد غارق في الأزمات؟. صحيح، هذا السؤال نفسه من الأجدى توجيهه الى رئيس الحكومة ليتبيّن أنّ القضية أبعد من حصة وزارية. المسألة تتعلّق بأصل وجود الحريرية السياسية التي ترفض الاعتراف بأي صوت سني آخر، مع ما يعنيه هذا الوجود المنافس من قطع طريق على الكثير من المشاريع الحريرية، إذا ما قاربنا القضية بمنطق الميثاقية. فما الذي يُقلق الحريري الى هذا الحد حتى يتجاهل مطلب "اللقاء التشاوري" "المحق" بتوقيع الأرقام الانتخابية؟. 

قبل الإجابة عن هذاالسؤال البديهي، يتحدّث رئيس "حزب الاتحاد" النائب عبد الرحيم مراد لموقع "العهد الإخباري" عن التعنت الحريري، فيأسف على المواقف المتشبثة التي يبديها الرئيس المكلف لجهة وضعه تمثيل "اللقاء التشاوري" في خانة الانتحار. يصف مراد هذا الكلام باللامسؤول، ويتمنى أن لا يبقى الحريري عند عناده، وأن يعيد النظر ويراجع القواعد التي وضعها بالتوافق مع رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة، طبقاً لنتائج الانتخابات النيابية. تلك القواعد التي طُبقت مع الجميع إلا الطائفة السنية. يستغرب مراد كيف يتعامى الحريري عن حقيقة أن 40 بالمئة من أصوات السنة لم تؤيد تيار "المستقبل"، ما يحتم عليه ضرورة الاعتراف بتلك القوة التي أتى بها الشارع السني. وهنا يسأل المتحدّث أين ذهبت الميثاقية التي جرت مراعاتها لدى تمثيل الطائفة الدرزية، والإصرار على التمثيل المحق للنائب طلال ارسلان؟. يُطالب مراد الجميع خصوصاً رجال الدين بأن يكونوا سعاة خير لا قوى تفرقة، للعبور بالأزمة.

 

 

وفي معرض حديثه، يأسف مراد للواقع الذي يحاول البعض جرنا اليه، والتحدث بنفس المذهبية، في الوقت الذي عجزوا فيه عن الاجابة على أسئلتنا المشروعة. وفق قناعاته، فإنّ البعض يحاول محاصرتنا وتحجيمنا، واللعب على الوتر المذهبي، ربما لتأييدنا المقاومة، وهنا أكرّر، نعم نحن فريق نؤيد تأييداً كاملاً المقاومة ونفتخر بهذا التأييد لأنها تمثل الخط العروبي الناصري داخل الشارع السني، ونعتز بأنها حمت البلد من الاعتداءات. ولا ينسى مراد أن يوجّه التحية للحلفاء على موقفهم الداعم الشريف خصوصاً حزب الله، مؤكّداً أنه كما لم يتخلوا عنا لن نتخلى عنهم. 

بزي: المسألة أبعد بكثير من خسارة مقعد وزاري

وبالعودة الى الأسباب التي تدفع الحريري الى الدفاع بشراسة وقطع الطريق على وصول "اللقاء التشاوري" الى الحكومة، ينطلق المحلل السياسي وسيم بزي في مقاربته للقضية من استرجاع المشهد التاريخي لتمثيل الطوائف في لبنان بناء على نتائج الانتخابات النيابية سواء النسبية الأخيرة، أو ما قبلها، حيث سادت القوانين الأكثرية حتى عام 2005. يروي بزي كيف عمل تيار "المستقبل" في هذه المحطات التاريخية ومن وارئه السعودية على منع أي شريك جدي في الطائفة السنية للحريرية السياسية. أكثر من ذلك، فكل من أطلّ برأسه في تلك الفترة  للمشاركة بالقرار السني كالرئيس نجيب ميقاتي، لم يكن سوى بإرادة الحريرية السياسية، رغم أنّ المبدأ كان الغاء الآخرين، وهو الأمر الذي لعبت عليه السعودية، من خلال علاقتها بالحريري. تلك العلاقة التي التبست لدى وصول الملك سلمان بن عبدالعزيز الى الحكم في كانون الثاني/ يناير 2015، ودخول السعودية في مرحلة "عقيدة سلمان" وهي التي أخرجت المملكة من الحظر الى الانخراط والمواجهة، إلا أنّ الالتباس في العلاقة لم يوقف استثمار الرياض الحريري كإطار للتصعيد في لبنان. 

يُشدّد بزي على أنّ الانتخابات النيابية الأخيرة والتي أتت لتكريس حالة شراكة معممة لم يسبق لها مثيل ـ ليس فقط في الطائفة السنية بل في جميع الطوائف ـ، عملت على نسف الأحادية السائدة، وكرست حالة التنوع التي كانت مقموعة ومقطوعة الرأس داخل الطائفة السنية، على مستوى مجلس النواب. إلا أن الشراكة الحقيقية لهذا المفهوم التنوعي ـ برأي بزي ـ لا يمكن أن تأخذ مفهومها الحيوي إلا في الحكومة، وهذا يعني في حال حدوث هذا الأمر مجموعة من النتائج والعبر ليس فقط على مستوى الطائفة السنية بل على مستوى علاقتها براعيها الاقليمي التاريخي أي السعودية، علماً أنّ النواب العشرة الذين خرجوا عن استئثار الحريرية للسلطة ويمثلون عملياً أكثر من ثلث التمثيل السني في البرلمان، لا يناصبون جميعهم العداء للسعودية، إنما يشكلون حالة خارجة عن مدرسة الحريرية السياسية، وهؤلاء وإن لم يستطيعوا التكتل في بناء سياسي واحد إلا أنهم يؤكّدون مظلومية أحادية التمثيل التي احتكرها الحريري الأب والإبن، ومن بينهم من يتصادم مع الحريرية وخياراتها وله نسبة من التمثيل تزيد عن 20 بالمئة من الناخبين السنة في الانتخابات. 

بناء عليه، يؤكد بزي أن السعي الحثيث من قبل الحريري لاحتكار السلطة داخل الطائفة السنية، يتعلّق بأمور أبعد بكثير من خسارة مقعد وزاري. وفق قناعاته، فإنّ المسألة  لها بعد مغانمي نفعي، فعندما يدخل هؤلاء الى السلطة سيشكّلون عقبة أمام الحريري لتنفيذ مختلف مشاريعه، وصفقاته. دخولهم سيضرب مفهوم الاحتكار في الصميم ليس ببعده السياسي فقط، بل ببعده النفعي المالي، وهذا ما يضرب منظومة ارتزاق الحريري، والامساك المطلق بقبضة تمثيل السنة داخل السلطة التنفيذية. ينظر بزي الى كسر آحادية الاحتكار بمنظوره الأبعد، وليس فقط في منظوره الحالي، فهذا الأمر يكرس ظاهرة جديدة لا يمكن تجاوزها في المستقبل وبأي انتخابات نيابية مقبلة، إذ يوسع إطار التمايز داخل الطائفة، ما ينقل الممارسة السياسية في البلد الى مرحلة جديدة.