Al Ahed News

الصين من الداخل ـ الحلقة الثالثة عشرة

متفرقات



القرية النموذجية.. نموذج الإصلاح


محمود ريا
كيف يمكن أن تتخيل قرية صغيرة في ريف غربيّ الصين؟
قرية "يوان تيا" في مقاطعة شآنسي في الغرب الصيني قد تقدّم لك صورة أوليّة.
ولكن لا بد من الانتباه، فهذه القرية "نموذجية"، وهي لذلك تبدو فوق الواقع. كما أنها قرية لها قصة في تاريخ الصين، لذلك قد يكون الاهتمام بها أكبر من غيرها. وفضلاً عن ذلك، فهي تحوّلت قرية سياحية، ما يعني أنها خرجت من إطار القرية العادية التقليدية.
بالرغم من ذلك، فإن هذه القرية الصغيرة الهادئة توحي بالكثير من المميزات التي تمتاز بها القرية الصينية في الريف.
تاريخية القرية تنبع من محطة زمنية كانت الصين تعيش فيها تحت التخطيط الاقتصادي الشامل، بحيث إن كل نشاط اقتصادي كان لا بد من أن يحصل عبر الدولة ومن أجلها ولفائدتها، ومن ثم فإن الدولة هي التي توزع نتائج النشاط الاقتصادي على الناس.
في أواخر السبعينات من القرن الماضي، كانت الصين قد بدأت تشهد إرهاصات الانفتاح الاقتصادي، دون أن تصل تأثيراتها إلى الأرياف.
في ذلك الحين تجرأ أبناء هذه القرية الصغيرة على "مخالفة القوانين" وبدأوا بالقيام بنشاطات زراعية إضافية خفية عن أعين الدولة. زرعوا أرضاً أوسع، وتعاونوا بشكل أكبر، فأنتجوا محاصيل أكثر، قاموا ببيعها في المناطق المجاورة، وبمردودها قاموا بشراء وسائل إنتاج أكثر تطوراً، وبعض الكماليات التي لم تكن معروفة في تلك المنطقة.
بالطبع، كانت الدولة قد علمت بتلك النشاطات، ولكنها تركت الأمور تأخذ مجراها، ليرى المسؤولون ما هي نتائج هذه الخطوات الاقتصادية التي لم يعتَد عليها المزارع الصيني.
لقد أثمرت جهود أبناء هذه القرية ارتفاعاً كبيراً في مستوى الانتاج مقارنةً بالمعدّل السائد، ما أدى إلى توسيع شبكة التصريف، ومن ثم ازدياد المردود، وبالتالي حصل تطور أكبر في وسائل الانتاج، أدّى بدوره إلى مدخول أكبر ورخاء أكثر.
هذه الدائرة الاقتصادية أقنعت المسؤولين بإرخاء قبضتهم عن الدورة الانتاجية في القرى، فشرّعوا الحركة التي قام بها أبناء القرية، وجعلوا من الخطوة التي قاموا بها نموذجاً لتحديث الريف في الكثير من المناطق الأخرى من الصين، فتحوّلت القرية بذلك إلى قرية نموذجية.
وعلى مدى الأيام، وبسبب الشهرة التي حصلت عليها هذه القرية نتيجة ريادتها الاقتصادية، صارت مقصداً لأبناء القرى المجاورة، والمناطق القريبة، لا بل مقصداً لكل أبناء الريف الصيني في مختلف المناطق، ما أوجب إيجاد بنية تحتية لخدمة الضيوف، فحوّل أبناء القرية بيوتهم إلى غرف قابلة للإيجار في مواسم زيارة القرية، ما أدى إلى تحوّل هذه البقعة من الأرض إلى منطقة سياحية مقصودة، وخصوصاً أنها تقع في سهل واسع، وتتمتع بمناظر طبيعية خلاّبة، وأجواء هادئة وادعة، وبيوتها جميلة ومنظّمة.
من أجل تخليد تجربتهم المميزة، أقام أبناء القرية متحفاً يحتوي على وسائل الإنتاج البدائية التي كانت عندهم، وعلى صور لمراحل تطوّر القرية، وللشخصيات التي أثّرت على هذا التطوّر، ولا سيما مسؤول القرية الأول الذي خرج بفكرة كسر القوانين التي كانت سائدة والانتقال بالريف إلى مرحلة اقتصادية جديدة.
القرية لا تزال تحتفظ بالعديد من المشاغل الصغيرة التي أسست لانطلاقتها الاقتصادية، وما يزال أهلها يعملون في هذه المشاغل بهدفين: إنتاج ما يحتاجونه من سلع بسيطة، وتعريف زوار القرية بطريقة عملهم في بداية النهضة الاقتصادية التي شهدتها بلدتهم.
البلدة التي خالفت آراء الزعيم ماو تسي تونغ الاقتصادية ليست على خصام معه، بل على العكس، فأهلها يضعون تمثالاً ضخماً للزعيم الراحل على مدخلها، فيما يتزعمها الآن مسؤول من الحزب الشيوعي، هو شاب يأتي إلى هذه المنطقة من أجل قيادة القرية والحصول على تجربة عملية في الاحتكاك مع الناس، قبل الانتقال إلى مناطق أخرى ومراكز أعلى في الحزب والدولة.
هذه هي القرية النموذجية التي انطلقت منها شرارة تاريخ جديد للريف الصيني، بشوارعها الضيقة، ولكن النظيفة والهادئة، وبأهلها البسطاء الذين تبدو الطيبة على وجوههم، وبمستقبلها الذي يراه أهلها مشرقاً، تماماً كما هو حاضرها، وكما كان ماضيها القريب.

في الحلقة القادمة: شنغهاي.. أيتها العملاقة




الصين من الداخل محمود ريا المسلمون في الصين الصين بعيون عربية
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء
[1] عامر ملاعب: لو توسع التحقيق أكثر عن التجربة نفسها
28-03-2012 16:43
تحية طيبة
كنت أتمنى لو توسع التحقيق أكثر عن تجربةالقرية نفسها، ما هي وكيف كانت، ولو بإختصار.
مع جزيل الشكر والتقدير للتحقيقات الجميلة والجديدة للأستاذ محمود ريا.
مع التأكيد أن الصين تحتمل منا كل ال‘ضاءة والمتابعة اليوم وغداً.
عامر ملاعب