الرجاء الانتظار...

2012: سنة القلق العالمي

folder_openخاص العهد access_time2013/01/03
starأضف إلى المفضلة


لم تحمل السنة المنصرمة الاطمئنان للعالم، بعد التوترات التي شهدتها سنة 2011. فما سمي "الربيع العربي" لم يستطع ان يأخذ طريقه الى الديمقراطية كما أملت في البدء الشعوب العربية وجميع شعوب العالم. بل ان هذا "الربيع" تعرض الى نكسة خطيرة بتحوله، من جهة، الى مطية للسياسة الاميركية والاطلسية بل وحتى الاسرائيلية، ومن جهة اخرى الى مطية للحركات المرتبطة بمشيخات النفط العربية وبالمخابرات الغربية.

والاتحاد الاوروبي، وتحت ضغط ازمة المديونية والازمة الاقتصادية المتواصلة، فشل في اتخاذ التدابير الآيلة الى انقاذ البلدان المأزومة، اليونان واسبانيا والبرتغال، من الانهيار.

والنخب السياسية الاوروبية تقف بمواجهة نمو الاحتجاجات الاجتماعية ضد ميزانيات التقشف الصارم على حساب الجماهير الشعبية.

ولم تغير الصورة القلقة للعالم اعادة انتخاب باراك اوباما لولاية ثانية للولايات المتحدة الاميركية، مع ان احتمال انتخاب رومني الجمهوري كان يعتبر كارثة حقيقية للعالم في نظر الكثير من المراقبين المحايدين. لانه كان من المتوقع ان يكون رومني "جورج بوش" ثانيا.

فرنسا والاستحقاق الرئاسي

ولكن نيكولا ساركوزي فشل في اعادة إنتخابه في فرنسا وحل محله الاشتراكي فرنسوا اولاند الذي يحاول ان يصبغ تبعيته الاميركية ونهجه "الاطلسي" بصبغة يسارية.

وكما كان متوقعا تمت اعادة انتخاب فلاديمير بوتين لولاية رئاسية جديدة في الفيديرالية الروسية. وفي فترة الولاية السابقة لبوتين حتى سنة 2008 كان قد وضع بصمته بقوة على التطور الداخلي لروسيا، ويتوقع الكثير من المراقبين انه في فترة الولاية الجديدة، والقابلة ايضا للتجديد لاحقا، سيتفرغ اكثر لوضع بصمته على السياسة الدولية لروسيا تحت عنوان اعادة دورها العالمي كقوة عظمى ووضع حد نهائي للعربدة الاميركية والاطلسية في السياسة الدولية.

وطبعا ان اهم انتخابات جرت في العالم في السنة الماضية هي الانتخابات الرئاسية الروسية والاميركية.

نظرة على اوروبا:

نأتي اولا الى فرنسا التي تضطلع بدور قيادي، اوروبيا وعالميا.

لقد خسر اليمين المحافظ بزعامة نيكولا ساركوزي معركة الانتخابات الرئاسية، امام يمين الوسط الاشتراكي بزعامة فرنسوا اولاند. ويقول المراقبون ان الناخب الفرنسي العادي عاقب اليمين المحافظ بسبب سياسة شد الاحزمة في مواجهة الازمة الاقتصادية، وأعطى صوته ليمين الوسط اليساري التقليدي على امل ان يعير الحكام الجدد الاهتمام لمسألة تضييق الخناق على معيشة الناس العاديين. ولكن بعد ستة اشهر  من استلامهم السلطة فإن اشتراكيي اولاند اخذوا يعطون الاشارات بأن اهتمامهم سينصب ايضا على تدعيم الوضع المالي، وانهم في السعي الى تحريك عجلة الاقتصاد سيخيبوا هم ايضا امال المواطن العادي. وبانتخاب اولاند اهتز مؤقتا الثنائي الاوروبي الاهم، ونعني به ثنائي (المانيا ـ فرنسا) ذلك ان الانسجام بين حكومة ميركيل اليمينية وحكومة ساركوزي اليمينية ايضا كان اكبر مما هو عليه الانسجام الحالي بين حكومة ميركيل وحكومة اولاند. وهذا يعني ان الصيغة السابقة (ما سمي صيغة: ميركوزي) قد سقطت وان خلخلة مفاصل عربة الاتحاد الاوروبي هي الان اكثر من السابق، بالرغم من كل جهود تدعيم الوحدة الاوروبية. وتنتظر الان برلين وباريس مرحلة جديدة من جس النبض، التعرف المتبادل، التقارب والتسويات. ولكن مهما حصل فإن البلدين لن يغامرا بتقويض الوحدة الاوروبية الهشة والمهتزة.

ولكن "القطوع" الخطر الأكبر لاوروبا الموحدة كان في اليونان، حيث انعكست الازمة الاقتصادية بشدة على الحياة السياسية وجرى مرتين تغيير الحكومة واجراء انتخابات نيابية مبكرة. وفي وقت ما طرحت في التداول بشدة مسألة خروج اليونان من الاتحاد الاوروبي ومن منطقة اليورو، والعودة الى استخدام الوحدة النقدية الوطنية (الدراخما). ولو خرجت اليونان من الاتحاد الاوروبي او منطقة اليورو لكرت السبحة وتلتها بلدان اخرى. وقد انهارت في اليونان الثقة بالاحزاب الكبيرة التقليدية، وبرزت الاحزاب والقوى المتطرفة، اليسارية واليمينية، ولاول مرة دخل "الفاشستيون الجدد" برلمان دولة عضو في الاتحاد الاوروبي.

وفي اسبانيا التي تنوء تحت ثقل الازمة، تصاعدت الاصوات المطالبة بالانفصال، وهذه المرة ليس في بلاد الباسك الاكثر فقرا، بل في كاتالونيا الاكثر غنى والتي تعتبر ان "الحكومة المركزية" الاسبانية تأخذ منها اكثر مما تعطيها.

اليونان والازمة المالية

وبحسب تصنيفات جريدة "فايننشال تايمز" فإن نشاطات رئيس البنك المركزي ماريو دراغي، بهدف انقاذ العملة الموحدة الاوروبية (اليورو) تأتي على رأس أهم خمسة احداث حددت معالم وجه سنة 2012 المنصرمة. ولكن اذا كان البنك المركزي الاوروبي استطاع انقاذ اليورو، فإنه عجز بدرجة الفضيحة عن ايجاد حل فعال لازمة المديونية والازمة المالية والاقتصادية التي بدأت تتخذ ابعادا اجتماعية وسياسية في اوروبا.

وتقول جريدة "فايننشال تايمز" كما نقلت عنها وكالة الانباء البلغارية "اذا دخلت منطقة اليورو من جديد في دوامة الازمة، فإن وعود ماريو دراغي "ان يعمل كل ما هو ضروري" لاجل انقاذ اليورو، ووعده بأن يشتري بشكل غير محدود سندات الخزينة، ـ هذه الوعود ستتحول الى علامة تشديد لا  اكثر على حوليات التاريخ". ولكن حتى هذه اللحظة ومما لا شك فيه ان تدخل ماريو دراغي لانقاذ اليورو يعتبر من اهم احداث السنة.

ماريو دراغي وانقاذ اليورو

وفي تصنيفات "الفايننشال تايمز" تأتي في المرتبة الثانية والثالثة من الاهمية: الحرب في سوريا، ومجيء "الاخوان المسلمين" الى السلطة في مصر، مما يدل حسبما تشير الجريدة إلى "ان الشرق الاوسط يواصل امتصاص الوقت، والطاقة والاعصاب لدى قادة العالم". وتضيف "ماذا سيأتي بعد نظام الاسد هو لغز تام. ولكن انتخاب محمد مرسي رئيسا لمصر هو اهم مؤشر الى اين يتجه هذا الاقليم. ان انتصار مرسي وحضور السلفيين المحافظين المتطرفين في البرلمان المصري هو برهان على اشتداد قدرة الاسلام السياسي. وواقع نجاح مرسي في اجراء استفتاء عام على الدستور المختلف عليه يبرهن على ان الليبيرالية العربية ستستمر في التراجع السنة القادمة ايضا".


مصر وانتخاب محمد مرسي

وفي السنة المنصرمة تم انتخاب القادة في اربعة من خمسة اكبر اقتصادات في العالم. في اميركا وفرنسا تم انتخاب رئيسين للجمهورية. وفي اليابان عاد الحزب الليبيرالي الدمقراطي الى السلطة. وفي الصين تم انتخاب امين عام جديد للحزب الشيوعي الصيني. واذا ظهر ان سي تسينبين هو اصلاحي، فسيكون انتخابه على رأس السلطة في الصين احد اهم الاحداث التي جرت سنة 2012.

وبالنسبة لفرنسوا اولاند في فرنسا، فهو بالكاد يعتبر اصلاحيا. اما بالنسبة لليابان فإن اي من القادة الذين توالوا على السلطة فيها منذ 20 سنة لم يستطع اخراج البلاد من السبات الاقتصادي. ولذلك يمكن القول انه من بين الاحداث الخمسة الاكثر اهمية في العام المنصرم، هو اعادة انتخاب باراك اوباما، بالرغم من ان هذا الانتخاب لم يغير حتى الان اي شيء عمليا. ولكن اعادة انتخابه هي دليل على الاستمرارية في السياسة التي بدأها.

والحادث الخامس الاهم في تصنيف "الفايننشال تايمز" هو النزاع بين طوكيو وبكين حول بعض الجزر غير المأهولة في بحر الصين الشرقي. فهذا النزاع هو مؤشر صارخ عن النزاعات المستقبلية اذ ان هذه الجزر تقع ضمن الاتفاق الامني المتبادل بين اليابان والولايات المتحدة الاميركية.

وعدا الاحداث الخمسة آنفة الذكر اشارت "الفايننشال تايمز" الى إعصار ساندي الذي ضرب مدينة نيويورك خلال الحملة الانتخابية الرئاسية في اميركا. وكان السياسيون الاميركيون قد بدأوا يتجنبون الحديث عن التغيرات المناخية لمنع الخوض في مسؤولية اميركا والدول الغربية عن تخريب البيئة الكونية والتغيرات المناخية الناشئة عنه، فجاء هذا الاعصار الذي ضرب عاصمة الرأسمالية العالمية ليعيد الى الواجهة حتمية طرح موضوع التغيرات المناخية. ولاحظت "الفايننشال تايمز" ان اعصار ساندي اثبت ان العالم "لا يحتاج الى نيويورك".

ولم يفت "الفايننشال تايمز" ان تشير الى مجزرة القتل الجماعي للاطفال في احدى المدارس الاميركية في كينكتيكت، التي طرحت بشدة مسألة تفكك المجتمع  وانتشار الاسلحة في اميركا.

الصاروخ الكوري الشمالي البالستيكي

ومن الاحداث العالمية التي ينبغي التوقف عندها هو قيام كوريا الشمالية المعزولة، المحاصرة والفقيرة، باطلاق صاروخ بالستيكي بعيد المدى، وهو خطوة اساسية نحو اطلاق صاروخ عابر للقارات، قادر على حمل رأس حربي غير تقليدي (القنبلة النووية او غيرها) الى اي نقطة كانت في العالم. وقد عارضت اميركا واليابان وكوريا الجنوبية بشدة اطلاق الصاروخ واعتبرته تحديا لما يسمى "المجتمع الدولي".

وبالرغم من الضغط والحصار والمقاطعة ومنع التكنولوجيا المتقدمة عن كوريا الشمالية، فقد استطاع هذا البلد الفقير ان يطلق الصاروخ بنجاح باعتراف جميع الخبراء المختصين، المعادين او غير المعادين لكوريا الشمالية. وقالت جريدة "الغارديان" ان نجاح اطلاق الصاروخ يدل على ان كوريا الشمالية رفعت مستواها التكنولوجي. وقد حلق الصاروخ فوق الجزيرة اليابانية اوكيناوا وسقط في المياه الدولية قرب الفيليبين. وقالت الولايات المتحدة الاميركية ان اطلاق الصاروخ "يعتبر عملا  استفزازيا شديدا، ويهدد الامن الاقليمي". واطلاق هذا الصاروخ يضع جميع الدول الموالية لاميركا (اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفيليبين) وجميع الاساطيل والقواعد الاميركية في المنطقة تحت رحمة الصواريخ الكورية الشمالية. ناهيك عن التهديد بالوصول قريبا الى القارة الاميركية ذاتها.

في الاطار العلمي:

وبعيدا عن الاطار السياسي والاقتصادي، تحقق في السنة الماضية الانجازان التاريخيان التاليان:

- بعد خمسين سنة من الابحاث وفي 4 تموز/يوليو  2012 فإن العلماء في المنظمة الاوروبية للابحاث النووية (CERN)  اعلنوا انهم اكتشفوا جزيئة نووية جديدة تنتسب الى الجزيئة المسماة "بوسون هيغز" او "بوصون هيغز". وهذه الجزيئة الاخيرة المسماة "الجزيئة الالهية" ينسب اكتشافها الى العالم بيتر هيغز وخمسة غيره من علماء الفيزياء النظرية وذلك في سنة 1964 ، وهي عنصر مقياسي اساسي في النظرية الكلية لحركة الكون، الموضوعة من قبل اينشتاين.

ويقول الخبراء ان هذا الاكتشاف هو قفزة علمية كبيرة ويضع علم الفيزياء بأكمله وبالاخص الفيزياء الكونية على عتبة مرحلة جديدة من التطور.

-  وفي 14 تشرين الاول 2012 حقق  المظلي النمساوي فيليكس براومغارتنير انجازا رياضيا وعلميا بارزا. اذ قام بالقفز عن "حافة الفضاء الكوني" باتجاه الارض. وحسّن بذلك عدة ارقام قياسية عالمية: القفز من اعلى نقطة (على ارتفاع 39،45 كلم). وركوب بالون موجه. وسرعة الهبوط الحر للمظلي (1342.8 كلم في الساعة) وهي سرعة تتجاوز سرعة الصوت يحققها انسان بجسده المكشوف. ويبلغ براومغارتنير الـ 43 من العمر. وكلف مشروع تنفيذ هذه القفزة 50 مليون يورو. واستمر تدريب المظلي النمساوي الذي قام بها مدة 5 سنوات.

التعليقات