Al Ahed News

الفتنة في صيدا على مرمى طلقة!

مرئي ومسموع




نصري الصايغ - صحيفة "السفير"


لم ينفجر لبنان بعد. قد ينفجر قريباً، أو، قد لا ينفجر أبداً. انه في وضعية الاستعداد الدائم للانفجار، وهنا الكارثة: نعيش الانفجار، قبل أن يقع، أو قبل أن لا يقع أبداً.. لبنان إذاً، في مدار الانفجار.

فات زمن الاستدلال على إمكانية وقوع الانفجار، بإشارات سياسية، أو تلميحات مباشرة، أو استنتاجات مفرطة في التشاؤم. هذا الزمن الذكي ولّى. نحن في زمن الزحف العنفي المتواصل. لبنان، في هذا السياق، يقدم الدلائل، بالأحداث والوقائع والأمكنة والاصطفاف والسلاح والقتل، والاستعداد الدائم للشروع بالعنف، على أنه ماضٍ إلى الفتنة مع سابق الإصرار والتصميم.

السياسة، على علاتها اللبنانية، أقفلت أبوابها. السياسة، في حدها الأدنى، تحوّلت إلى شجار دائم، وانغلاق مطلق، وتصويب على الخيانات المتبادلة. السياسة في لبنان، في حدها المتدني، تحوّلت إلى ممارسة غدر الغلبة الطائفية والمذهبية، أو القهر الوجودي. السياسة غدت عملية احتيال: المشروع الأرثوذكسي لقتل قانون الستين، انسحاب مؤقت للأرثوذكسي لمصلحة المختلط المبهم، إحياء المشروع الحكومي الذي قُتل بيد صانعيه، تمرير الدائرة الواحدة مع النسبية، العودة إلى مشروع فؤاد بطرس، المزج بين الأكثري والنسبي... كل ذلك هو من باب الاحتيال والطعن والغدر.
من دلائل العنف المستتب، إقامة التركيبة السياسية الحاكمة، داخل أسوارها المذهبية، ورعاية الانفلات الأمني والعسكري والتشبيحي والخطفي، باتجاه بلوغ الذروة: الانفجار.

من دلائل العنف المتجوِّل، بحماية مضبوطة، أمنية وسياسية، وضع الدستور في غيبوبة، ما يفسح بالتمرد والتشرذم والتلصلص والتفلت والاغتصاب والاعتداء والفساد والنهب، واعتماد الطائفة والمذهب مرجعاً وحيداً، بجدارة الأمر بالمنكر الطائفي والنهي عن المعروف الوطني، والاحتكام إلى الشارع الذي يتدفق إليه ومنه، عنف بشع، بدءاً من الألفاظ والأشكال والهيئات، بلوغاً إلى امتشاق السلاح، مؤيداً بالآيات الدينية، و«يا غيرة الطائفة»، مدعوماً بظهور ثلة من رجال الدين، حراس الجحيم الطائفي.

السياسة في لبنان، طلّقت مرجعية الدستور والقوانين المنصوصة. وهجرت مبدأ «التوافق الديموقراطي»، وأقامت داخل المتاريس، في المدن والأرياف والأزقة والإعلام المرئي الذي يسبق الجميع، إلى تقديم العنف على طبق الشاشة المسائي، وأحيانا «ديليفري».

عندما تخرج من السياسة، تصل إلى العنف. عندما تقفل المؤسسات، تنفتح أبواب الشارع على الجحيم. قيل ذلك غبّ الاستقلال. قاله «عبقري» هذا النظام الطوائفي، ميشال شيحا. فيا من هم من مدرسته، أطيعوا أستاذكم، وعودوا إلى رشدكم الطائفي، بقليل من الوعي الوطني... عبث.
قد ينفجر لبنان قريباً، وقد لا...
طرابلس تستعد للجولة الخامسة عشرة. السعي لاستبعادها، نجح في التأجيل فقط. ما يتأسس في طرابلس، لم يعد مجهولاً. خطره يتقدم بقوة. مستفيداً من الدولة المنهكة وأجهزتها المتعبة وقياداتها المراهنة، ومن زخم الأزمة السورية، ولاّدة التعصب والتمذهب و«الصحوة» بقاعدة «النصرة».
طرابلس غدا، أسوأ من أمس. ومستقبلها القريب «أسود» من غدها.

القرى الحدودية في عكار، خط نار وموطئ قواعد و«جيوش» حرة، مدعومة سياسياً ومذهبياً وذخيرة، ومرعية بمن هم من الدولة وفي الدولة... القرى الحدودية على الجانبين في البقاع الشمالي. خط نار آخر، يقترب من أن يصير خندقاً، يتداخل فيه الداخل البقاعي بالداخل السوري. عرسال على طريقتها، محظية بدعم غير مسبوق، استطاعت أن تفك حصارها بشعار «الثمن الباهظ» من يتحمله؟
كل هذا وسواه، يشكل مقدمات الولوج في المرحلة الأخيرة من الاستعداد، للانفجار الكبير... لا خطوط تماس بين القوى المتعادية (من عدو). خط التماس الخطير، هو حيث يتداخل الوجود السني بالوجود الشيعي. صيدا، بوابة الانفجار الكبير، ولم تعد بوابة الجنوب.

ليس من باب المقارنة، بين اندلاع الانفجار الهائل في العام 1975، بعيد اغتيال المناضل معروف سعد، وبين إحداثيات العنف المندلع، بأبشع ألفاظه وشعاراته، وبأكثر التعبيرات بذاءة: «صيدا السنية يلزم تجريدها من الشيعة» بحجة السلاح... وبالمناسبة، السلاح حجة في خطاب 14 آذار، فلا انتخاب في ظل السلاح، ولا نسبية كذلك. بينما، في الشارع، لا سيادة للغة، بل للقبضة والزناد.

وبرغم كل ذلك، لم ينفجر لبنان بعد. الخوف من صيدا مقيم. الأمن هناك محروس بخمسة آلاف جندي، فقط! إلى متى؟ إلى أن يخرج الأسير من الشارع، (وهو لن يخرج، لأن من يخرجه، يلزم أن يكون من ملّته) أم إلى ان يخرج الشيعة بتهمة السلاح، (وهم لن يخرجوا على رؤوس الأسنّة).
الخطأ في الحساب قديم.

اللبنانيون لا يحسبون جيداً في السياسة. دليلنا على ذلك، أن هذه «الثلّة السياسية الطائفية» الحاكمة، منذ العام 2005، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قادت البلاد، خطوة خطوة، إلى حافة الهاوية وإلى عتبة الانفجار. ليس من حق أي طرف أن يضع اللوم على الطرف الآخر. الكل قاد البلد إلى هذه الحافة. «14 آذار» و«8 آذار» مرتكبان. سياسة السكين تجرح. سياسة الصراخ تذبح. سياسة التعادي، تخلّف أعداءً يصوّبون بنادقهم على «إخوتهم الأعداء». في هذا السياق يصير الشيعي فارسياً، أشد خطورة من الصهيونية، ويصير السني سعودياً أميركياً إسرائيلياً، وجزءاً من المؤامرة على الممانعة.

أخطاؤهم في الحساب السياسي فادحة. حتى الآن، لا مراجعة أبداً، بل إيغال في التقدم إلى الكارثة.
بلى، يلدغ المؤمن من جحر واحدٍ، مرتين... بل مراراً.


صيدانصري الصايغالعنف والقتال المتنقل
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء