إنا على العهد

نقاط على الحروف

"الله معك يا سيّد"
27/02/2025

"الله معك يا سيّد"

بين مشاهد الحزن والعز والفقد والفخر مضى يوم الثالث والعشرين من شباط، اليوم الذي أبكى الأمة دفعة واحدة، وجدّد فيها العهد بنبض واحد. على وقع الدموع والهتافات والقبضات وهدير الطائرات ودّع جمهور المقاومة أمينيه العامّين، أتوا من كل حدب صوب غير آبهين بخطر الموت ولا البرد ولا الخوف، هَمّهم أن يطلّ عليهم أمينهم وخليفته، وإن كانت الشهادة هنا، سيّدة المشهد والموقف.
حمل الناس قلوبهم بكل أثقالها ومضوا لرؤية أحبائهم ومبايعة أرواحهم، وبين كل جَمعة ومع كل خطوة وداخل كل حشد، ثمة مواقف تُحفر في ذاكرة القلب، تخيط مجتمعةً لوحة المشهد الحقيقي الذي اختلطت فيه كل ألوان الحب والشوق والحزن والفخر والثأر.
عند ساعات الفجر الأولى، انطلق الرجل المسن بخطىً سريعة على الطريق المؤدي إلى المدينة الرياضية، بيده صورة تضم الشهيدين الأقدسين، ونُصب عينيه الوصول إلى مكان التشييع ليتمكن من حجز إحدى المقاعد داخل المدينة. الملفت أنه على طول المسافة الواقعة تحت نظرَي المشاهد، لم يتوقف الرجل لحظة ليلتقط أنفاسه، رغم شدة البرد وطول المسافة التي قطعها مشيًا على الأقدام ومع كُبر سنّه، إلا أن دافع الحب والشوق طغى، وليس لأهل العشق من سبيل إلا الوصول.
مع بزوغ الشمس بدأت الحشود الغفيرة بالتوافد بشدة، والأطفال على اختلاف أعمارهم وسنينهم، كان لهم حظ وافر ليودّعوا هم أيضًا شهداء الأمة. عند أحد التقاطعات تمر إحدى السيدات برفقة ولَديها، أحدهما يبدو رضيعًا بين يديها، وفتاة صغيرة أخرى تمشي ممسكةً بيد والدتها، ويدها الأخرى تقبض بقوة على صورة أحد الشهداء إلى جانب الشهيد الأقدس. لسان حال الأم والطفلة واحد: "ودّعنا شهيدنا، واليوم نودع شهيد الأمة."
على امتداد الطريق المؤدّي إلى مكان التشييع، احتار المشاركون في خدمة المشيّعين، يوزّعون الطعام والمياه والحلوى والقهوة، تراهم بلهفة، يلاحقون الناس المتوجهة نحو المكان، يوزعون عليها ما تيسّر راجين منها القبول، وكلما شعر بعضهم بأن أحد المارة تردد في أخذ الضيافة لسبب ما، توّج طلبه بعبارة لا يتلوها رفض أو تردد:" تفضلوا عن روح السيّد.."
قبل بدء المراسم  بساعتين تقريبًا، وفي أثناء توجه المشيّعين نحو المكان، يلفت انتباهك مشهد عظيم بكل تفاصيله. تسير إحدى الأخوات ممسكةً كتف احد الاخوة معصّب العينين، وسرعان ما تكتشف أنه من جرحى "البيجر". تتجه معه نحو الباحة الخارجية للمدينة الرياضية، يمشيان بالقرب منك بخطوات نشطة مسرعة، علها تتمكن من الدخول برفقته والجلوس على أحد المقاعد. كلما توقفا لحظة، سألها "مطولين؟" فتجيبه: "رح نوصل، معش كتير لنشوف السيد،" والقصد "لم يتبق الكثير، لترى السيد بعين قلبك."
بعد انتهاء المراسم داخل المدينة الرياضية، وفي أثناء خروج الحشود لمرافقة الموكب المتجه نحو المرقد الشريف، يحمل شاب عشريني "كوفية" يمسح بها لحيته ورأسه، والدموع لا تزال تنهمر من عينيه دون توقف، يحاول شاب بجانبه أن يكفكف دموع رفيقه، لكن صرخة انطلقت انتزعها من أعماق قلبه لا حنجرته: "هذه الكوفية فيها ريحة السيد..هذه الكوفية تباركت بنعش السيّد.."
من مشاهد الحزن والفقد إلى مشاهد العز والقوة، يتربّع في مقدمتها مشهد قبضات وصيحات الناس التي ارتفعت عاليًا وارتجّت بها الأصداء، حين هدرت الطائرات "الإسرائيلية" فوق الجموع محاولة بث الرعب فيهم، لكن الجواب كان حاضرًا وعفويًا وقوياً وسريعًا، التفّ الناس محدّقين عاليًا تسبقهم صيحاتٌ ثابتة قوية "الموت لإسرائيل..الموت لإسرائيل." دون أن يهتز أحدهم من  مكانه، أوّلهم النساء والأطفال.
مشاهد التنظيم والمسؤولية والالتزام كانت حاضرة بشكل جلي، والمرة تجسدت بأبناء كشافة الإمام المهدي(عج). فتية بأعمار مختلفة أنهوا دورهم في مسيرة التشييع، حملوا الأكياس وانتشروا في الشوارع لتنظيفها وإزالة الأوراق منها، دون كلل أو تعب أو ملل، توزعوا في أكثر من مكان ليُتمّوا المهمة بأسرع ما يمكن وقبل حلول الظلام.
مضى موكب التشييع نحو المثوى الأخير ومضى الناس برفقته حتى اللحظات الأخيرة، بعدها وبفارق ساعة من الزمن، يكسر قلبك مشهدٌ ختامي لا ينسى. على الجهة الأخرى من الطريق الدولي المتجه جنوبًا، تمشي حاجة مسنّة على عكازها، قاطعة مسافة طويلة لعدم فتح الطريق أمام حركة المرور بعد، عيناها المحمرتان تَشِيان بسر البكاء الطويل، تمشي بخطوات ثقيلة من وقع الحزن وكسرة القلب، وعند اقترابك منها وقبل وصول عناصر الهيئة الصحية لمساعدتها، ستسمع بغصّة تكرار تمتماتها:" الله معك يا عمري..الله معك يا سيّد."

تشييع سيد شهداء الأمةإنا على العهد

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة

خبر عاجل