مفقودو الأثر

خاص العهد

سنوات الهدر في قطاع الخليوي الى التحقيق؟!

22/08/2019

سنوات الهدر في قطاع الخليوي الى التحقيق؟!

فاطمة سلامة

في فترة من الفترات، سُمّي قطاع الاتصالات بـ"نفط لبنان". العائدات التي يدرها هذا القطاع على خزينة الدولة وُصفت بـ"الطائلة". إلا أنّه وللأسف تحوّل هذا القطاع الى مغارة "فساد" يستفيد منها سياسيون ونافذون لزيادة ثرواتهم. كما واجه هذا القطاع سوء إدارة لم تكن نتيجته سوى قرارات "غير حكيمة" ضيّعت على لبنان فرص الاستفادة من عائداته، وهو ما يُفسّر تراجع ايرادات القطاع 30 بالمئة العام الماضي. رقم ليس "هيّناً" بالمُطلق، بل شكّل مؤشراً "صادماً" طُرحت حياله الكثير من علامات الاستفهام حول أداء القيمين على هذا القطاع، خصوصاً أنّ كلفة الاتصالات في لبنان من الأعلى في العالم، رغم أنّ الجودة التي تُقدّم منخفضة.   

ويكفي أن ننظر في هذا الصدد، الى ما كُشف مؤخراً حول ملابسات شراء مبنى في وسط بيروت لشركة "تاتش"، ودفع عشرات ملايين الدولارات بلا وجه حق. ويكفي مراجعة بعض الأرقام التي كُشفت حتى يتبيّن المستوى المتدني الذي وصل اليه قطاع الاتصالات. على سبيل المثال، كان معدّل المصروف السنوي لشركتي "تاتش" و"الفا" 450 مليون دولار تقريباً. في العام 2018، صرفت الشركتان 658 مليون دولار أي 208 ملايين دولار زيادة على المعدل العام. فهاتان الشركتان قبضتا من الشعب ما مجموعه 14 مليار و440 مليون دولار في 10 أعوام. حوّلتا من هذا المبلغ الى وزارة الاتصالات 9 مليارات و954 مليون دولار. النفقات الرأسمالية والتشغيلية بلغت في تلك الفترة 4 مليارات و492 مليون دولار، وهي نفقات مرتفعة، وفق ما يؤكّد رئيس لجنة الاعلام والاتصالات النائب الدكتور حسين الحاج حسن في حديث لموقع "العهد" الإخباري. نفقات يمكن خفضها عبر ترشيد الإنفاق وضبطه، الأمر الذي سينعكس إيجاباً فيزيد عائدات الدولة وإيرادات الشركات.

هذه الأرقام والحقائق لطالما ذكرها وكرّرها رئيس لجنة الاعلام والاتصالات غير مرّة. برأيه، هناك مشكلة كبيرة في المناقصات التي تشمل التجهيزات والبرامج والمعدات والصيانة والسيارات والمحروقات والايجارات، وهناك مشكلة في رعاية الاحتفالات والاعلانات التي لا لزوم لها. وهو في هذا الصدد، يعد تقريراً مفصلاً سيصدر في أيلول ليوثّق بالأرقام والوقائع والأدلة والمستندات، حجم الإنفاق غير المبرّر في قطاع الخليوي. يؤكّد الحاج حسن لموقعنا أنّ حجم النفقات الرأسمالية والتشغيلية يفوق المؤشرات والمعايير المعتمدة عالمياً ويمكن خفضها، بل لا بد من ذلك. 

ويُرجع الحاج حسن ارتفاع حجم هذه النفقات إما الى سوء إدارة وعدم معرفة ودراية، وإما الى الفساد. وفي هذا الإطار، يرى الحاج حسن أنّ كل الاحتمالات واردة، ففي نهاية المطاف هناك "مصاريف" مضخّمة علينا تقليصها. ومن هذا المنطلق، جاء طلب كتلة الوفاء للمقاومة من رئيس مجلس النواب نبيه بري تشكيل لجنة تحقيق برلمانية للتحقيق في ملف الخليوي عن السنوات الماضية. بالنسبة للحاج حسن، فإنّ لجنة التحقيق البرلمانية -بحسب الدستور- أحد أشكال المحاسبة المتقدّمة. لا ينكر الحاج حسن أنّ التجربة عادةً لم تكن مشجّعة لكننا أمام أمرين: إما أن نُبقي الوضع على ما هو عليه، وإما أن نلجأ الى القضاء ولجنة التحقيق. ويُشدّد الحاج حسن على أن توجه كتلة الوفاء للمقاومة الى إشراك البرلمان في التحقيق يأتي في سياق رفع مستوى المتابعة، فحزب الله مُصر على متابعة هذا الملف حتى النهاية. 
  
فضل الله: مشاكل كبيرة في القطاع

رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق الدكتور عبد الحليم فضل الله يعتبر في حديث لموقع "العهد" أنّ ملف الاتصالات من الملفات الأساسية والمهمة في لبنان. إذ لا يُعقل أن يبقى قطاع بأكمله خارج دائرة الرقابة، وللأسف هناك سلطات استنسابية كبيرة جداً للوزير والوزارة ما يفتح المجال واسعاً أمام الهدر والفساد. هناك تلزيمات تجري بالتراضي وبدون مناقصات. تقام المشاريع بتكاليف خيالية، إذ يتم اكتشاف هدر واسع النطاق وتكاليف مرتفعة داخل هذا القطاع. على سبيل التبسيط، يلفت فضل الله الى أنّ نسبة النفقات الاستثمارية والجارية سجّلت 29 بالمئة من الإيرادات، وارتفعت عام 2018 الى 42 بالمئة من الإيرادات. مشاريع "الفايبر أوبتيك" لم يُنفّذ منها سوى 6 بالمئة -حتى وقت قريب-، وهناك غياب رقابة في التنفيذ. يكفي  -بحسب فضل الله- أن نجري مقارنة بسيطة بين لبنان والأردن ليتبيّن لنا أن تكاليف تنفيذ المشروعات في لبنان أضعاف مضاعفة.

ووفق المتحدّث، قدّرت إيرادات الاتصالات في موازنة العام الماضي بما يفوق الـ2000 مليار ليرة لتُسجّل مع نهاية العام أقل بكثير من هذا الرقم. برأيه، فإنّ الإيرادات يجب أن تحافظ في الحد الأدنى على مستواها، وهذا ما لم يحصل. ويُشدّد فضل الله على أنّ كل الحجج التي تُساق من قبيل أنّ خدمة "الواتساب" أثّرت على المكالمات غير مقنعة، إذ من المفترض أن يكون لدينا خطة استراتيجية لتطوير الخدمات والاستثمار بالداتا للتعويض عن الخسائر. بالنسبة لرئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق فإنّ إدارة القطاع تشوبها مشاكل كبيرة، إذ تبدو كلفة الاتصالات في لبنان عالية جداً مقارنةً مع دول المنطقة، يقابلها جودة متدنية وخدمات أقل تنوعاً من المطلوب، كما تسير الاستثمارات ببطء. 

وفي الختام، يُشير فضل الله الى أنّ حزب الله يُصر على معالجة مكامن الهدر والفساد في هذا الملف الذي يعتبره من الملفات المهمة، لزيادة إيرادات الدولة، وتحويل قطاع الاتصالات الى قطاع خدماتي يُقدّم جودة كافية بتكاليف منخفضة عبر فتح باب المنافسة والاستمرار في الرقابة.

إقرأ المزيد في: خاص العهد