خاص العهد

  كيف ينعكس الهدوء في سوريا حركةً اقتصادية في لبنان؟

322 قراءة | 14:10

فاطمة سلامة

غالباً ما كان يُقال أنّ سوريا خاصرة لبنان إن ضعُفت ضعف وإن اشتدّت اشتد. هذه الحقيقة ترجمتها الكثير من الأحداث والأزمات التي مرّت على البلدين. آخرها تمثّل بالحرب الكونية التي شنت عليها ولسنوات، والتي طاولت بشراراتها الجانب اللبناني. اليوم، ومع الانتصارات التي تحققت، ثمّة من يُعوّل على انعكاس "الانفراجة" السورية، حركةً اقتصادية في لبنان وهو أشد المحتاجين اليها، في ظل الغيوم السوداء التي تُظلّل ماليته العامة، وتُحاصر نموه. الحديث عن الانفراجة المذكورة، يؤكّدها العديد من الخبراء الاقتصاديين، مستندين على الكثير من المؤشرات. فالعلاقة بين دمشق وبيروت ليست عابرة، بل هي علاقة يحكمها التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. وفي المقابل، ثمّة من يقارب العلاقة من منظور عدائي بحت. يُكابر متوهماً أن السياسة في لبنان أكبر من الاقتصاد الذي "تُزنّره" الأزمات، فيرفض العمل بسياسة مدّ اليد الى سوريا لمصلحة لبنان قبل أي شيء آخر. ولعلّ تقرير صندوق النقد الدولي منذ ما يُقارب العام خير دليل على ما نقول، حين أشار الى أنّ تراجع التوترات في سوريا سيُشكّل أحد نقاط القوة اللبنانية وسينعكس إيجاباً على الاقتصاد اللبناني. فكيف سيُترجم الهدوء في سوريا حركة اقتصادية في لبنان؟. 

خوري: سوريا فرصة لاقتصادنا أكثر من "سيدر1"

وزير الاقتصاد رائد خوري يؤكّد في حديث لـ"موقع العهد الإخباري" أنّ الهدوء في سوريا وفتح الأبواب أمام إعادة إعمار هذا البلد، ومشاركة لبنان بذلك، يُشكّل فرصةً أمام لبنان تتخطى بأهميتها مؤتمر "سيدر1"، لما لها من انعكاسات كبيرة على الأسواق اللبنانية والاقتصاد المحلي، عبر جذب الاستثمارات من القطاع الخاص الذي يشكّل عصب الاقتصاد اللبناني، وخلق فرص العمل. يُشدّد خوري على أنّ إعادة الإعمار سيُنعش كافة القطاعات في لبنان، وسيُحدث نهضة اقتصادية؛ فالكثير من البلاد التي تُصاب بالدمار، تُحدث نهضة اقتصادية لكل البلدان التي تشارك في إعادة إعمارها. تماماً كما حدث في الحرب العالمية الثانية. ولا يخفى عن بال خوري دعوته لإقامة مناطق اقتصادية وصناعية حرة على الحدود مع سوريا لما ستشهده هذه المنطقة من تدفق للمستثمرين، ما ينشّط الحركة.

يؤكد خوري ضرورة اقتناص الفرصة واستغلال لبنان لكل الظروف المؤاتية والآتية من بوابة الهدوء السوري. بالنسبة اليه، فإنّ ما يجمع لبنان وسوريا كبير جداً، بدليل الترابط الجغرافي والأخلاقي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي وغيره، وهذا ما جعل لبنان المتأثر الأول بالحرب السورية سواء لناحية تسرب الارهابيين الى الداخل، أو لناحية الوضع الاقتصادي الذي أتعبه النزوح الهائل للسوريين والذين فاق عددهم المليون ونصف وكبدوا الخزينة مليارات الدولارات سنوياَ، أو لجهة إقفال الحدود ما أثّر على الصادرات والاستثمارات. يستعرض خوري كل ما سبق ليخرج بالنتيجة التالية: تأثُر لبنان واقتصاده سلباً بالمحنة التي عاشتها سوريا، يعني بطبيعة الحال، تأثره إيجاباً في خروجها منها.  

وزني: لبنان سيكون منصة رئيسية لانطلاق عمليات الإعمار

بلغة الأرقام الاقتصادية يتحدّث الخبير الاقتصادي غازي وزني عن الانعكاسات الايجابية الواسعة التي سيتركها الهدوء في سوريا على الاقتصاد اللبناني. وفق حساباته، فإنّ بدء نهاية الأزمة يعني خيراً اقتصادياً ينتظر لبنان عام 2019، يراهن عليه الخبراء بشكل كبير. بالنسبة إليه، لا يكاد يسلم قطاع من التأثيرات الايجابية، خصوصاً أنّ مشاركة لبنان بإعادة إعمار سوريا يعني حُكماً توسعة "بيكار" نشاط القطاعات المختلفة، خصوصاً الإنتاجية والتجارية، فالقطاع التجاري سيتحرّك بشكل كبير جداً، وباكورة المؤشرات بإعادة إعمار سوريا بانت منذ أشهر حين تهافتت كبار الشركات الى دمشق كشركة "غدير" الاماراتية. لا يفصل وزني عودة السفارات الى دمشق عن التفكير الجدي بإعادة إعمار سوريا والذي تفوق تكاليفه الـ300 مليار دولار، وهذا رقم كبير جداً سيُترجم حكماً عبر تهافت كبار الشركات العالمية ورجال الأعمال المشاركة في الإعمار، ليكون لبنان منصة رئيسية أساسية وأساسية جداً لانطلاق عمليات  الإعمار نظراً لعدة أسباب:
ـ موقع لبنان الجغرافي
ـ خبرة اللبنانيين وعلاقاتهم القوية بالمحيط
ـ خبرة وقوة القطاع المصرفي اللبناني
ـ انتشار اللبنانيين في الخارج

الهدوء ـ وفق وزني ـ سينعكس أيضاً على الصادرات الزراعية التي يمر 70 بالمئة منها عبر معبر "نصيب"، والصادرات الصناعية التي تشكّل نسبتها 22 بالمئة عبر المعبر نفسه، والذي رغم عودته الى الحياة منذ أشهر، إلا أنّ بداية نهاية الأزمة سيُعزّز موقعيته بشكل أكبر. وهنا يوضح وزني أنّ المنتوجات الزراعية والصناعية اللبنانية التي تُصدّر عبر سوريا تبلغ نحو مليار دولار سنوياً. 

من الصادرات وإعادة الإعمار، ينتقل وزني الى نقطة أخرى لها اليد الطولى في تنشيط الحركة في لبنان، وتتمثل بالسياح من الدول الخليجية الذين يأتون براً عبر سوريا، والذين بلغ عددهم قبل الأزمة 400 ألف سائح سنوياً، وبالتالي فإنّ عودة الحياة الآمنة الى الطريق البرية، يعني حكماً تنشيط القطاع السياحي، وضخ الأموال في السوق اللبنانية.  
 
عجاقة: الانفراجات ستمس كافة القطاعات  

ما يقوله وزني، يؤكّده الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، الذي يشدّد على أنّ الهدوء في سوريا يشكل مفتاحاً لإعادة الإعمار، مع ما يعنيه ذلك من انفراجات تمس كافة القطاعات في لبنان. يتوقّع عجاقة أن ينشط الطلب في المرحلة الأولى على المواد الغذائية، والحاجات الاستهلاكية اليومية، والخدمات، لتنشط لاحقاً كافة القطاعات. ويلفت عجاقة الى أنّ الهدوء سيُعزّز الحركة أكثر على معبر "نصيب". تماماً كما أنّ رفع العقوبات عن سوريا في حال حصل، سيُشجّع المصارف على التعامل بقوة مع الجانب السوري، ما سيؤثر على حركة البيع والشراء. ويُشير عجاقة الى نقطة مهمة جداً، تتمثّل بالهدوء السياسي في سوريا الذي سينعكس حتماً هدوءاً سياسياً في لبنان، وبالتالي سيشكّل عاملاً لجذب الاستثمارات، وهذا ما يحتاجه بلدنا. 

ومن خارج السياق، يستحضر عجاقة قضية التشويش الصهيوني على الطائرات المدنية. برأيه فإنّ بوابة كل اقتصاد هي حركة المطارات، والاعتداء الذي شنته "إسرائيل" من الطبيعي أن يدب الذعر في نفوس المسافرين الى لبنان، ما قد يُخفّف الحركة ويضرب الاقتصاد اللبناني. وعليه، يرى عجاقة أنّ الخطوة الصهيونية "البربرية" تستدعي حركة دبلوماسية أكثر تقدماً لحماية اقتصاد لبنان.